"BEYOND NORMAL" BACKUP

A backup site for "BEYOND NORMAL" Blog.
LAST UPDATED: 01 Jan 2005

الأحد، أكتوبر ٣١، ٢٠٠٤

Ossama Bin Moore!!

Ossama (Osama) Bin Moore

This is the first time ever I write an English post in this Arabic blog*. I thought, however, that it is important to summarize -in English- my latest post about Bin Laden's latest tape.

I am so surprised that some respectable media figures are trying to analyze whether this tape will enhance or threaten Bush's lead in the polls. To me, it's obviously a pro-Bush event.
While some conspiracy-theory sites think the tape may be fake- and they may be right, I can't confirm that and I can't agree or disagree. What amazes me is the timing.

I wonder who does Bin Laden work for? Why would he offer his 'opponent' G.W.Bush such a good political opportunity?
It is amazing also that the guy who speaks in that tape, and who is supposed to be Ossama, seems to be using Michael Moore's movie "Fahrenheit 911" as a reference**. Has he watched the movie? Does he support it? What a psychological effect can this cause to the simple average American voter's mind?
Would some people think that Ossama is pro-Kerry? that he wants to get rid of Bush? Whom will this help? To whom goes the benefit?

Since I am not a voter and I have no rights to vote, why should I care??
What I care about is the media. I want to understand why Aljazeera -for example-, who claims to be against the Iraq war and wants to end it as soon as possible, publishes this tape at this critical time of history?
I wonder who is behind this tape? I wonder how do Aljazeera reporters think; do they really only look for making more money through these movies.. or... something else?
Does anybody have reasonable grown-up suggestions?

Footnotes:
* This blog is normally written in Arabic.
Visit my other blogs in English:
News and Views
One-liners (for those in a hurry)
Strictly headlines

** Although the tape doesn't really cite Michael Moore's movie, here is an excerpt from the English translation by Aljazeera that almost quotes Moore:
"It never occurred to us that the Commander in Chief of the armed forces would abandon 50,000 of his citizens in the twin towers to face those great horrors alone at a time when they most needed him.
But because it seemed to him that occupying himself by talking to the little girl about the goat and its butting was more important than occupying himself with the planes and their butting of the skyscrapers we were given three times the period required to execute the operations. All praise is due to Allah."


IF YOU LIKE THIS BLOG, PLEASE VOTE FOR IT AS THE BEST JOURNALISTIC BLOG IN ARABIC.

Other links:
- Juan Cole's informed comment
- Daniel Brett Weblog

أسامة بِن موور

مِن فرط قراءتي لمواقع تتبنّى نظريّات المؤامرة، وبالأخصّ هذا الموقع النشِط المليء بالأنباء والوصلات التي تثير القلق وتربك المعدة ولكنّها أحياناً تفتح المخ، صِرتُ لا أصدّق مُعظَم ما أسمع لأوّل وهلة، بل ولا أصدّق ما أسمع في الأنباء غالِباً، خاصّةً لو كان يتّفق بالتحديد مع ما توقّعه أهل الفِطنة من المحللين المغضوب عليهم.

ما الحِكاية؟
الحِكاية ليسَت جديدة، وقد ملّ أكثرُكم من سماعِها هذا الأسبوع، إنّها بشأن الشريط الأخير التي أذاعته شبكة الجزيرة، والمنسوب لأسامة بِن لادِن المَدعوّ "زعيم" تنظيم القاعِدة، ذلك التنظيم الزئبقيّ الذي يظهر ويختفي على الساحة العامّة، من خِلال شرائط مسموعة ومرئيّة وخِطابات مسموعة ومرئيّة تتناقلها القنوات العربيّة تارّة، ومواقِع الإنترنِت مجهولة الهويّة تارةً أُخرى.
الظريف أنّ "ما يُسَمّى" بالرأي العام كان مشغولاً في الآونة الأخيرة بعدّة أمور مِنها بالطبع الانتخابات الأمريكيّة والأحداث في العِراق وبضعة مناوشات مع إيران والسودان وأماكِن أخرى مشتعِلة في العالم. أمّا مُحبّو الـ’دعبَسة‘ بين ’خُيوط‘ الشبكة العنكبوتيّة الإلكترونيّة ـ الإنترنت- فكانوا يتسلّون في الآونة الأخيرة بمتابعة ما يتعلّق بالانتخابات الأمريكيّة من استطلاعات رأي مُتضارِبة تحقّق الهدف من أيّ فيلم إثارة (ساسبِنس*) وهي تعليق النتيجة حتّى اللحظة الأخيرة، مع تتبيل المراحِل النهائيّة من الترقب بالكثير من الحيرة.
محترفو الإعلام تمكّنوا -بالفِطرة أو بالدراسة- من فنون الضحك على الذقون وفنون تحويل الحبّة إلى قُبّة والبوصة إلى عروسة، وبإمكانهم تحويل قصّة تافهة إلى سَبقٍ صحفيّ إن كانت الرياح السياسيّة تتطلّب ذلك. لهذا فقد باتوا يشغلون القرّاء والمشاهدين في العالم باستطلاعات رأي لا حصرَ لها عن الانتخابات الأمريكيّة، وبتكهّنات متضاربة يضحك لها المحايدون، ويكاد المنغمسون فيها أن يُصابوا بنوبات قلبيّة من فرط الإثارة والترقّب. في الوقت نفسه، اعتاد أيضاً السابِحون في بِحار الإنترنت أن يعثروا مِن حين لآخر على شريط مصوّر لإعدام رهينةٍ ما في العراق، أضاف بُعداً جديداً لفنون الإعلام، إذ فاق أفلام الرُعب وحتّى البرامج الحديثة المسمّاة بالبرامج الواقعيّة. فلم يعُد التمثيل ولا حتّى الواقع المصوّر كافياً لإشباع نهم الكثيرين بالإثارة ومشاهدة الدِماء، فها هو فنّ إذاعة مشاهد الإعدام، أو التحدّث عنها بدون مشاهدتها، يجذب المشاهدين، ويثير بهم مزيجاً من التقزّز والخوف والغضب والرغبة في الانتقام، أو الفخر والتشفي والرغبة في المزيد من الدماء.
كان هذا عن وسائل الإعلام ومن يعبث بمحتواها، ولكِن ماذا عن المُشاهِد العالميّ؟ المُشاهِد العالميّ يبدو أنّه أدمن الأفلام والبرامج والمشاهِد ونشرات الأخبار لدرجة خطيرة، فقد جعل الإدمان سكّان كوكب الأرض محِبّي الإثارة يحتاجون إلى جرعات متزايدة من العُنف والرُعب والدِماء والـ"ساسبِنس" والـ"أكشِن"، وإلاّ فلن ترضى غرائزهم بما تقدّمه دور النشر والتأليف... وقد حارَ معهم الإعلاميّون في ما يقدِّمون كلّ يوم. سكّان الكَوكب ينتظرون قمّة الإثارة في الأسبوع الأخير للانتخابات الأمريكيّة.
حذّر جهازا لأمن الأمريكيّ من قبل أنّ الإرهابيين أعداء الحرّيّة سوف يُفسِدون الانتخابات الأمريكيّة بشكلٍ ما، واتّهمت القوى السياسيّة وقتها الرئيس بوش وزُمرته بتخويف الأمريكان وباستغلال التحذيرات لصالحهم، وربّما برغبتهم في فرض قانون طوارئ وإلغاء الانتخابات. وانفضّ المولد بعدها، ولكنّ الجميع ما زالوا ينتظرون المُفاجأة السينمائيّة التي تحدُث قبل المشهد الأخير: فمن أين يا تُرى سيأتي الإرهاب هذه المرّة؟

الشريط والتوقيت
تعرِفون جميعُكم مدى تأثير الإعلام عليّ وعليكم وعلى جميع الناس، وتعرِفون أيضاً أنّ هُناك أكثر من إِعلام: فهناك الإعلام الرسميّ وهناك الحزبيّ وهُناك المُعارِض وهُناك الإعلام المُشاغِب المتشرِّد وأخيراً، ومع الإنترنت، فهُناك أيضاً الإعلام الفرديّ أو العشوائيّ أو هذا الذي أكتُبه أنا وغيري: البَلوَجة. كلّ واحد يكتب ما يُريد، والله أعلم بالحقائق والهويّات. لكنّ هذه الظاهرة غير المسبوقة من تعدُّد وسائل الإعلام لا تزال في مهدِها، فأكثر المواطنين الصالحين لأيّة دولة مازلوا يستقون أخبارهم من الإعلام الرسميّ (حسب تسمية دولنا العربيّة) أو الإعلام الشائع (حسب النظام الأمريكيّ الأوروبيّ) حيث تُسيطر على الإعلام شركات كُبرى ليست بالضرورة ممثلة للحكومات، ففي الولايات المتّحدة مثلاً تميل معظم القنوات التليفزونيّة -ما عدا فوكس مثلاً- إلى الجانب الليبراليّ الموالي للحزب الديمقراطيّ، بينما تُسيطر الاتّجاهات المُحافِظة الجمهوريّة على الكثير من الإعلام الإذاعيّ وعلى بعض الصُحف وعلى الإعلام ذي الصبغة الدينيّة أيضاً.
اتّفقت وسائل الإعلام الأمريكيّة الكُبرى جميعاً على ثوابِت، وقد شرِبَها الشعب وحفظوها عن ظهر قلب. فهم لا يختلفون على الخوف من القاعِدة، وعلى مسئوليّة ذلك التنظيم عن أحداث سبتمبر 2001، ولا يختلفون على التأهب ضدّ الإرهاب وعلى مناصرة الحملات العسكريّة الأمريكيّة حتّى لو اختلفوا في جدواها وأسبابها. لكنّ القلّة المنحرفة ممّن لا يرضون بالإعلام الرسميّ، يذهبون إلى الشبكات الأوروبيّة والعربيّة وإلى المبلوِجين على الإنترنت ويبحثون عمّا يعطيهم رؤية أكثر منطقيّة لما يحدُث... ومِن أمثلة هذا الإعلام ’المُضاد‘ فيلم مايكل موور الأخير الذي كشف للشعب البسيط الأمريكيّ عمّا لم يكُن يعرِف عن الحرب على العِراق وعن علاقات بوش بشرِكات النفط والأُسَر الحاكِمة بالخليج. لكنّ الأدهى من مايكِل موور، هو عدد كبير من المواقع على الشبكة الإلكترونيّة والتي تعادي الحرب وتشكِّك في كلّ ما تقول الحُكومة، بل وتشكك في تنظيم القاعدة نفسه.
تنبأ الكثير من هؤلاء المنتمين للقلّة المنحرفة بأنّ حدثاً كبيراً سيُلَفّق قبل الانتخابات ليضفي الإثارة، ويساعد على إبقاء الأحوال على ما هي عليه، بالإبقاء على الرئيس الحاليّ، الذي سيُقنع الشعب أنّه الأقدَر على حِفظ الأمن والأمان.
بل إنّ الحملة الانتخابيّة للرئيس الحاليّ (بوش) أكّدت هذه الحقيقة الأخيرة في عدّة مواقف، ولسان حالهم يقول على الملأ: الإرهابيّون يفضّلون كيري ويخشون بوش! هكذا! فإن ناصرت غيرَ بوش، فأنت مع الإرهابيين -وحسب حِسبة بوش- فأنتَ إذن إرهابيّ. وبالعاميّة المصريّة يُمكِن أن تُتَرجِم هذا إلى: "اللي مِش مع بوش، إحنا مانحِبّوش. واللي ناوي يهادِن، هنجيبله بِن لادِن"
ولهذا صار كيري يلعن ويقسم في كلّ مناسبة أنّه أشرس من بوش على الإرهاب، إلخ...
وهُنا، جاء الشريط في وقتِه المُناسِب، ليذكِّر الأمريكان بأنّ الخطر ما زال موجوداً، وأنّ أعداء الحرّيّة وزعيمهم الشرس الشرير بن لادن يريدون الأمريكان أن "يثوبوا إلى رشدهم ويتوقّفوا عن مناصرة بوش المُجرِم". يعني باختصار: جاء الشريط هديّة انتخابيّة لصالح بوش. لكنّ الإعلام الأمريكيّ شديد الدهاء، بدأ يسأل السؤال: يا ترى؟ هل هذا الشريط في هذا الوقت يحسن من موقف بوش أم يا ترى يذكّر الأمريكان بأنّ بِن لادِن ما زالَ حيّاً متحدّياً بوش؟

الدليل قالولوا!
عنوان هذه الفقرة مُقتبس من مسرحيّة شاهِد ما شافش حاجة، بطولة عادِل إمام. وفِكرة هذه الفقرة جاءتني ممّا كتبه محمّد في سجلّه "طقّ حنك"، فمحمّد يرى -كما يرى غيره من المراقبين- أنّ بِن لادِن يستخدم لغة أعداء بوش السياسيّين بداخل الولايات المتّحدة، بدلاً من عادته في استخدام الخِطاب الدينيّ الحافِل بالآيات والأحاديث والقصص. بل يكاد المتحدِّث في الشريط الذي أذاعته الجزيرة يقتبس أفكاراً كاملة كأنّه شاهدها في فيلم "911 فهرنهايت" لمايكِل موور. من المتّحدِّث إذن؟ وما مصلحته؟
أجمَع عدد غير مسبوق من الوسائل الإعلاميّة أنّ المتحدث هو أسامة بن لادن، وأنّ الشريط يبدو أصليّاً أصيلاً، ولا قِبل لأحد بالتأكُّد من صحّته الآن، فالمهم هو تأثيره، إلاّ أنّ بالطبع مُشاغبي الإنترنت مازال بعضهم في حيرة وشكّ، بل يزعم هذا المقال أنّ الشريط "متفبرِك" كسابِقه. أمّا أنا فلستُ متخصصاً، ولا قِبل لي بالحُكم، لكنّني من المحتارين، وتساورني الوساوس والشكوك والظنون والتساؤلات التالية:
- ما السرّ في توقيت الشريط؟
- لو كان المتحدّث بِن لادِن، وتوقيت إذاعة الشريط موافقاً لرغبته، فما مصلحته -هو الخبير بأمريكا الآن والدارس لشعبها؟ ألا يعلم أنّ الأمريكان سيستجيبون لهذا الشريط ضدّ رغبته؟ فلماذا رغب في إذاعته؟ لينتخب الأمريكان بوش فيضربهم؟ أم؟؟ ليرجعوا إلى رشدهم؟ أم؟
- مع من يعمل هذا المتحدِّث في الشريط؟ وإن كان هو أسامة.. فمع من يعمل أسامة؟
- لماذا تذيع الجزيرة هذا الشريط الآن. لعلّ زعيم القاعدة أخطأ الحسابات أو لم يقرأ عن تقدّم كيري الأخير في استطلاعات الرأي. فماذا عن حرّيفة الجزيرة؟ لماذا يقدّمون خدمة كهذه لبوش؟ مع من يعملون؟ أم لعلّهم أساءوا الحسابات؟
اقرأوا مثلاً عن تقدّم بوش في استطلاعات الرأي بعد هذا الشريط، وقولوا لي رأيكم...
لكِن.. لماذا أحرِق أنا دمي... أتحوّلتُ أنا أيضاً لمشاهِد فيلم بايخ؟
أنا لا أنتخب.. وأنا مالي!

هذا هو بيتُ القصيد... أنا مالي.. ربّنا يسعد سعيد بسعيدة
وتوتة توتة، فرغت الحدّوتة
فما رأيكم دام فضلكم؟

suspense ساسبِنس *

الخميس، أكتوبر ٢١، ٢٠٠٤

هاها! أمينة خيري -مراسلة "الحياة"- تسمّيني الـ"بلوغر" اللاطِم!! ـ


ـ "الجواب باين من عِنوانه" والخبر واضح، فقد قرّرت صحفيّة بجريدة الحياة سَبر أغوار عالم الـ"بَلْوَجة" المصريّة (كما أسمّيها أنا) أو فنّ تدوين اليوميّات أو السجلاّت الإلكترونيّة.
ويبدو أنّ كاتبة المقال -أمينة خيري- قرأت ذلك التعليق الذي كتبته، وظنّت أنّني كُنتُ "ألطُم" وأنا أقول "يا للمُصيبة"، وتنفيذاً لتعهُّدي السابق، فأنا لن أطيل التعليق على الخبر هنا، بل كلّ ما فعلته أن سارعتُ بشكر الصحفيّة للاعتراف بي وبالمصريّين من كُتّاب الإنترنت وأوضحتَ لها أنّني لم ألطُم ولم أُقسِم، وسوف أقول لكُم رأيي في ما كتبت بعد أن أقرأ ردّها (إن ردّت على تعليقي).

الظريف في ذلك المقال أنّه أتاح لي وللكثيرين فرصة التعرُّف على المزيد من المُبَلوِجين المِصرّيين (في مصر والخارج) أو المُبلوِجين الأجانب في مِصر. ومِمّن عرِفت: الفرعون الكبير، وممدوح شوقي صاحب "البلوج المصريّ" وقاه الله عواقِب ما يكتُب!
كما عرِفت عن طريق ذلك المقال بلوج"نزيف العقل"، أو
Mindbleed
الذي لم يُذكَرْ في مقال الحياة مع أنّه من أغزرنا إنتاجاً، ربّما لأنّ الصحفيّة ركّزت على المبلوجين في
Blogspot
أو لأنّه لا يذكر بوضوح أنّه مصريّ، والجدير بالذكر أنّه من المصريّين القلّة الذين يذكرون هويّتهم كأفارقة، ولمْ أرَ هذا إلاّ لدى الدكتور الأفريقي (أفريقانو) وجوتشي.
كُتِب في 20 أكتوبر 2004
تحديث (21 أكتوبر 2004):
يبدو أنّني مَدين لأمينة خيري بأكثر من شُكر. لقد استطاع مقالها أن يجمع عدداً كبيراً من المُبَلْوِجين المصريّين ووصّلنا ببعض، ومن ثِمار هذا الاتّصال أن قام أحدُنا بعمل وصلة دائمة للمبلوجين المصريّين، والبقيّة ستأتي. فالكثيرون ممّن ذكرهم الخبر قد علّقوا عليه في سجّلاتهم الإلكترونيّة، والكثير منّا صار على اتّصال بين عشيّةٍ وضُحاها.

جعلني هذا أيضاً أُلاحِظ أنّ الكثير من قرّائي لا يعرفون شيئاً عن بقيّة سجِلاّتي -بالرغم من أنّني أضع وصلات لها في العمود الأيمن من هذه الصفحة- وأحبّ أن أنتهز هذه الفرصة للدعاية لها، فهي تحوي مكاتيبَ قصيرةًَ أسهل في القراءة وأكثر فعاليّة (في رأيي)، ومنها:

ـ أخبار وتعليقات، أو سمِّها أنباء وآراء: مختارات ممّا أقرؤه من أخبار، بعضُها مُسَلٍّ طريف وبعضُها مقلق مخيف وبعضُها ساخِرٌ عنيف.
ـ للمستعجلين فقط: وحيدات جُمَلٍ لا هي بالحِكَم ولا الحواديت، ولكنّها تصلح صواريخ قصيرة المدى، وهي أيضاً منقولة إلى اللغة الإنجليزيّة بتصرّف أحياناً، في ما يُعرف بـوحيدات السطور.
ـ عناوين بِلا أخبار: ليست جميعها "حقيقيّة" ولكنّها "واقعيّة"، هي عناوين لا أخبار تحتها، وبعضُها مُهدى لمن لا تصِل أخبارهم للصفحات الأولى أبداً، علّها تصل؟
ـ

الجمعة، أكتوبر ١٥، ٢٠٠٤

وقعت في شرّ أقوالي

لا شكّ أنّني خُضتُ في مستنقع يصعب الخروج مِنه حين اخترتُ أن أتطرّق لفن خِداع القرّاء والمستمعين أو ما أسمَيتُه بفنّ "الضحك على الذقون (الدقون)". فأنا نفسي أكتُب وأتحدّث كثيراً، وبالطبع أنا لا أكتُب لمجرّد تفريغ أفكاري، وإلاّ لفعلت ذلك على الورق ولما اخترتُ أن أنشُرَ ما أكتُبه. لكنّني دخلتُ المُستنقع حين اخترتُ نقد الخِداع والتحذير مِنْه، بينما أنا أكتُبُ أيضاً للتعبير عن أفكاري، وبالطبع لمشاركتها مع القُرّاء، ولا شكّ أنّ أملي ورجائي وطمعي هو أنْ تُعجِب أفكاري القارئ، بل أن يقتَنِع ببعضِها، بل أن تغيّر شيئاً في منظومة أفكاره، سواء بإضافة معلومة، أو إثارة تساؤل، أو تحدّي فكرة مُسبَِقة لديه.
أجل! لديّ أهداف، لا أُخفيها. ولديّ تصوّر أيضاً عن كيفيّة الخِداع، وأحذّر قارئي من كافّة أنواع الخِداع. أيّ موقف هذا الذي أقف فيه؟ لقد وقعتُ في "شرّ أقوالي" وربّما في "خَيْرِها"، فلا شكّ أنّ قارئي سيصير أكثر تحفّزاً تجاه قبول أيّة فكرة أكتبها، متوجِّساً خيفةً، متأهِّباً لالتقاط علامات الخِداع، مشكِّكاً في كلّ زعمٍ أزعمه، ممحِّصاً كلّ ما أكتُب. نعم! لقد وضعتُ نفسي في موقف صعب، وأنا نفسي أعترف بأنّني بعيد كلّ البُعد عن العِصمة من الخِداع. لستُ معصوماً وربّما لستُ صافيَ النيّة بدرجة تامّة. أحياناً ما أتفادى بعض الأمثلة خشية انقلاب الحُجّة ضدّي، وأحياناً ما أبالغ في الهجوم في اتّجاه ما، وأحياناً ما أضع الكثير من الحجج جنباً إلى جنب لتعضيد فكرة دون أخرى.
حقّاً، وصِدقاً، لا أستطيع أن أزعم عِصمتي ممّا أُهاجِم -وأرجو ألاّ يكون صِدقي هذا قناعاً يبغي إقناعاً- فأنا فِعلاً أتعهّد على نفسي أن أواصل السعي نحو الصِدق مع القارئ والشفافية متى استطعتُ لذلك سبيلاً، وأعِد القارئ بشيء قد يكرهه البعض: أعِده بالاعتذار والاستدراك وربّما "الرجوع في كلامي" متى أدركتُ أنّني تسرّعتُ أو بالغتُ أو لجأتُ لوسيلة من وسائل رخيصةٍ لكسب القرّاء، أو الصيد في المياه العكرة!
أقول هذا بالتحديد بسبب الموقف التالي: قرأتُ مقالاً، بل مقالاتٍ لمجدي خليل،صحفيّ مصريّ يكتُب كثيراً في مواقع وجرائد للأقباط في أمريكا، المعروفين سياسيّاً بأقباط المهجر. أعجبني بعض ما كَتَب، وأثار غضبي بعض ما كَتَب، وهمَمْتُ بالتعليق والردّ على هذه الصفحات، لتحقيق مكسب سهل (ووهميّ) بالردّ على كاتب لن يقرأ ما أكتُبه غالباً. ولكنّني -كما أسلفتُ في عُنوان هذا المَكتوب- سقطتُ في شرّ أعمالي أو أقوالي، وانقلَبَت أقوالي عليّ صارخةً: هاه! أنت يا هذا تتحدث عن النُبل وتشكو مِن الصيد في المياه العكرة.. تتحدث عن الضحك على الذقون؟ وها أنت تريد أن تبارز رجُلاً لا يحمل السيف؟ أيّ فارِسٍ يفعل هذا؟ أتريد أن تجادل كاتباً جدالاً من طرف واحد، على صفحات سجلٍّ تكتبه أنت ويقرؤه قرّاؤك وأصدِقاؤك؟ أيّ مجادلة هذه وأيّ حِوارٍ بنّاء ينتج من هذا الـ"مونولوج"؟
أخ... فقدتُ فُرصة مقال سَهل، وفي المُقابل، صرخ ضميري -ذي الصوت المزعج أحياناً- قائلاً إنّني لا أستطيع أن أعلّق على مقالات مجدي خليل إلاّ... إلاّ... امممم... إلاّ إن أرسلتَ له أوّلاً وناقشتُه وأصغيت له وعرفت ما وراء ما يكتُب، قبل أن أعلّق وأردّ.
يا للفكرة المثاليّة "البايخة" التي ستُفقِدني مقالاً وربّما تمنعني فرصة سهلة من التعليق الغاضب. وماذا لو صرخ ضميري الصرخة نفسها طالباً منّي أن أُراسِل فهمي هويدي أو سمير رجب أو سيّد القِمني أو غيرهم ممّن يثيرون لديّ الكثير من التعليقات؟
يلوح لي اليوم أنّ النُبل والفروسيّة والحِكمة والرشاد كلمات سهلة القول صعبة التنفيذ، ولعلّي أفهم الآن أكثر وأكثر لماذا يتخلّى الكثيرون عن هذه الاأفكار/القيم/ المثاليّات. لكنّني الآن لم أعُد ُ حُرّاً طليقاً؛ ستطاردني فكرتي حتّى أُنفِّذها، وكلّي أمل أن أرسل لذلك الكاتب ولا يرُدّ، لعلّي ألتمس لنفسي عُذراً. لكِنْ: لنرَ! لنرَ إلى أين سيقودُنا "الشرف"! أما قُلتُ مسبقاً: "أحسن مِ الشرف مافيش؟"
الردّ -نَقلاً عن عدّة مسلسلات وأفلام عربيّة: "خلّي الشرف ينفعك يا فالح!"

ـ

النبل وأشياء أخرى... ـ

النُبل وأشياء أُخرى

لم أكُنْ أعرِف الكثير عن "علي سالم"، الكاتب المسرحيّ والمفكِّر المصري حين رأيتُه لأوّل مرّة (وكانت هي المرّة الوحيدة حتّى الآن!). كان هذا منذ ما يقرُب من عشرة أعوام (ربّما أكثر أو أقل) حين حضرتُ مع أحد أصدقائي ندوةً ثقافيّةً رمضانيّة عن المسرح (حين كان رمضان يأتي في قلب الصَيْف) أقامتها الهيئة المصريّة العامّة للكتاب في مقرّها بكورنيش النيل بالقاهرة.

قبل حضوري تلك الندوة، كنتُ أعرِف –بالكاد- أنّ علي سالم هو مؤلّف (أو مترجم) مسرحيّة مدرسة المشاغبين، وكنتُ قد شاهدتُ له مسرحيّةً قصيرة (قرأتُها في ما بعد) بعنوان "المتفائل" مثّلها دارسو المسرح بالجامعة الأمريكيّة بالقاهرة. وإلى جانب تلك الشذرات القليلة من المعلومات عن الرجُل، كُنتُ أحبّ أن أقرأ ما يكتُبه علي سالم شهريّاً بمجلّة الشباب، التي كان رئيسُ تحريرِها آنذاك المرحوم/ عبد الوهاب مُطاوع، والتي كان يكتُب في صفحاتِها الأخيرة –إلى جانب علي سالم- المرحوم (رغم أنّ البعض لا يطلب له الرحمة) فرج فودة، والفنّانة (رغم أنّ البعض لا يعترف بهذا اللقب) إسعاد يونس. ومن الجدير بالذكر أنّ عبد الوهاب مُطاوِع كان ذكيّاً بما يكفي كي يجمع في مجلّته الشهريّة هؤلاء الكُتّاب الثلاثة –ذوي الاتّجاهات الليبراليّة الواضحة- دون أن يُثير غضب القراّء في بدايات عصر سيادة الفكر المُحافظ والأصوليّ (باستثناء إسعاد التي أثارت القلاقِل بمقالٍ عن زيارتها لمصفف الشعر، وتعقيب –أُجبِرت عليه- دافعت فيه عن كَوْنِها سافرةً –أيْ غير مُغطّاة الشعر- تسمح لرجلٍ أجنبيّ –أي ليس من المحارم الشرعيّين- أنْ يلعبَ بأصابعه في شعرها!) أّنهي هذا الاستطراد بأنّ قمّة ذكاء مُطاوِع تجلّت في استضافة فرج فودة ليكتُب مقالاتٍ عن سفريّاته وعن المُدُن التي زارها، ذلك الكاتب ذو الكتابات العديدة المنادية جهراً بالعلمانيّة والناقِدة بشدّة للحُكم الدينيّ وللجماعات الأصوليّة –سواء لجأوا للعنف أم لا. وأنا حين أصِف رئيس تحرير "الشباب" بالذكاء، أوَكٍّد أنّن أعني الذكاء وليس أيّة صفة أخرى. فالذكاء قد يقترن بالمكر أو العبقريّة أو الحكمة أو المراوغة أو الخبث أو الخداع أو الفضيلة أو الشجاعة أو الجُبن؛ وأنا أتحدّث عن الذكاء فحسب.

أُنهي مقدِّمتي بالتلخيص، بعد تنقية المقطع السابق من الجُمَل الاعتراضيّة. أقول: لم أكُن أعرِف الكثير عن علي سالم إلاّ بضعة مقالات في مجلّة الشباب، وبضعة مسرحيّات قصيرة إلى جانب كتابته لنصّ مدرسة المشاغبين، حتّى حضرتُ ندوةً كان عليٌّ ضيفاً فيها.

الندوة

لا أذكُر بالتحديد موضوع الندوة، لكنّني أذكر أنّ علي سالم ولينين الرملي وضيوفاً آخرين كانوا يتحدّثون عن المسرح المصريّ، وبالتأكيد عن أزمته آنذاك! وتصوّروا أنّ تلك الندوة كانت قبل المسرحيّات التي تُعرض حالياً، والتي عُرِضت عبر الأعوام العشر الأخيرة. كان توقيت الندوة أيضاً مُتزامِناً مع وصول الثنائيّ محمد صُبحي/ لينين الرملي إلى قمّة الشهرة بعد إنجاز مسرحيتيْ "بالعربي الفصيح" و"وجهة نظر"، ووقتَها كانت بضعة خلافات –ربّما ينسبها البعضُ إلى الحسد- قد نشبت بين الثنائيّ فلم يصيروا ثُنائيّاً في ما بعد، وأنا لا أعرِف حالة تعاونهما الآن. وقد وصلت المناقشات إلى حدّ التوتّر على الأقلّ مرّتَيْن: مرّةً حين خرج من وسط الحاضرين الفنّان المُحترم عبد العزيز مخيون، وقال بحِدّة وعروقه تنفُر –كعادتِه حين يغضب في المسلسلات: "آسف يا أستاذ لينين. دور محمّد صُبحي في مسرحيّة انتهى الدرس يا غبي لم يمثِّل شخصيّة "سطوحي" المتخلّف عقليّاً بأيّ شكل راقٍٍ، بل كان ساخراً مستهيناً بحالةٍ كهذه؛ على خلاف من مثّل شخصيّةً كهذه في الآداب العالميّة".

كان عبد العزيز غاضباً، وكاد غضبه أن يقلب المائدة –معنويّاً- على المتحدّثين بالندوة، فقد كان هؤلاء قد اكتسبوا احتراماً لدى المستمعين، وأقنعوهم بشكل شبه كامل أنّ أعمال لينين/صبحي كانت قمّة الرقيّ ومثالاً يُحتذى في المسرح الذي يجني المال والاحترام من جيب المشاهد وقلبه. لكنّ صِدق عبد العزيز مخيون، وغضبه الذي رآه الحاضِرون –وأنا منهم- مُنَزّهاً عن الملاوعة والمراوغة والرغبة في كسب الأضواء، استطاع أن ينتزع الإعجاب والتقدير من قلوب الحاضرين، والتصفيق من أيادي بعضهم. لكنّ هذا لا يمنع أنّ الكثيرين منّا أرادوه أن "يهدّئ من رَوْعِه" إذ إنّ الأمر لا يستحقّ، فنصف الرُقيّ خيرٌ من الإسفاف، ومسرح نصف محترم خير من مسرح يستحي روّاد الكباريهات من الذهاب إليه مع عائلاتهم.

كانت غُضبة "مخيون" هي أولى حالات التوتُّر في تلك الندوة، وكانت الثانية –والأقلّ حدّةً- هي غُضبة علي سالم نفسه، الّذي شعر ببعض الضيق حين بدا كأنّ لينين الرمليّ هو الكاتب الوحيد الّذي أخرج مسرحاً "مُحترماً" وجّذاباً، فسرد عليٌّ قائمة من مسرحيّاته قائلاً ما معناه "نحنُ هنا".

موقف عبد العزيز مخيون، وموقف علي سالم، وأحاديث لينين الرمليّ دفعتني إلى الحوار مع صديقي، حواراً فريداً من نوعه. فقد كان كلٌ منّا يفكّر في الأمر نفسه، ونتخاطب فيه دون صوت، مع علمنا التام بأنّنا نتحاور. تمثّل في تلك الندوة ومناقشاتها، موقفان مُعتادان للمُخلصين ممّن يريدون تغيير الأوضاع –أيّة أوضاع: الفنّ، المسرح، الوطن، المستقبل...

موقف الصِدام ذي النزعة المثاليّة الراديكاليّة والّذي مثّله عبد العزيز مخيون: لا حلول وسطى، إمّا تقديم حلّ جذريّ أو لنصمُت. ويشابه هذا موقف الحِزب الوطنيّ المصري القديم، الّذي أسّسه مصطفى كامل، وكان لسان حاله: لا مفاوضة قبلَ الاستقلال. يُشابه هذا الموقف موقف من يرفضون أيّ تطبيع مع إسرائيل قبل إنهاء الاحتلال، وموقف من يرفضون أيّ تصالح مع السُلطة الحاكِمة.

أمّا الموقف الآخر، موقف الإصلاحيّين والبراجماتيين أحياناً، فهو يقبل الحلول الوسطى، وشعاره الكِفاح للإصلاح، و"ما لا تستطيع أن تربحه كلّه، لا تخسَرْه كلّه"، فقد مثّّله موقف لينين الرملي ومحاولاته هو ومحمد صبحي آنذاك، وموقف محمد صبحي نفسه في ما بعد: بدلاً من أن تلعن الظلام، أضئ شمعةً، حتّى إن كانت شمعة ذات شُعلة مترنّحة. وكان ذاك هو موقف حزب الوفد المصريّ، الذي تفاوض مع الاحتلال قبل الاستقلال، ونال لمصر بعض استقلالها، وأهداها ديمقراطيّةً لم تشهد مثلها في تاريخها الحديث ولا القديم.

كلاهما موقفان –في رأيي- حسنا النيّة. كلاهما يبغيان التغيير. كلّ منهما ينجح حيناً ويفشل أحياناً، ولا أتصوّر مجتمعاً يعيش بغير إصلاحيين وثوّار يعملون معاً، شريطة... أن يتحاوروا، ولكي يتحاوروا بالطبع يجب أن يقبَلَ بعضُهم بعضاً.

عظيم.. كلّ هذا حدث في ندوة عن المسرح. لماذا بدأتُ بالتحدُّث عن علي سالم إذن ودوره حتّى الآن يبدو ثانويّاً؟

النُبل:

في لحظةٍ ما مِن تلك الندوة، وردّاً على سؤال، قال علي سالم جملةً لا أذكُرُها، لكنّني أذكُرُ كلمةً واحدةً ترنّ في أذني الآن كما رنّت في أذني –وأذن صديقي- وقتها، وكأنّها الكلمة الوحيدة التي قيلت. رنّت رنيناً محى همهمات الحاضرين، محى أفكاري الشاردة التي تراوحت جيئةً وذهاباً أثناء إنصاتي للندوة، محى بقيّة كلمات الجُملة. أذكر رنّة الكلمة، وأذكر وجه الكاتب المسرحيّ –الذي كان يصرّ أن يُسمّى أيضاً "مثقّفاً"- حين كان يقولُها، فوجهه قال لي أنّه صادق في قوله: "النُبل"

النُبل؟

قال لي صديقي: "مِن زمان طويل لم أسمع هذه الكلمة". وكان على حقّ. الكلمة ليست شائعة في الخطاب الخاص أو العام. نسمع عن الشرف، عن الحِكمة، عن الإيمان، عن الثورة، عن الغضب، عن العدل، عن الحقّ، عن الجمال، عن الديمقراطيّة، عن الفنّ... لكنّ كلمة النُبل لم ترِد في حديثٍ سمعناه من قبل، وقد كانت بالفعل كلمة مناسبة للتحدُّث عن الفنّ الراقي.

النُبل، قالها علي سالم، ولم نَسمَع ما قيل بعد ذلك. النُبل، كلمةٌ ظلّت ترنّ في مسامعنا طويلاً، ورغم قلّة تواترها إلاّ أنّها ما زالت تتردد في أذني وفي قلبي حتّى اليوم.

بدا لي ولصديقي، أنّ النُبل كلمة تساعد في حلّ المعادلة الصعبة: ما الأفضل الإصلاح التدريجيّ أم الثورة؟ أثمّة أمل في توازن بين الحلول الجذريّة وبين التدرج والحلول الوسط؟ ماذا نُصَدِّق في كلّ ما نسمع؟ ومَنْ نصدِّق؟ هل أعمالهم تؤيّد أقوالهم؟ أم نيّاتهم سليمة؟

هل كان عبد العزيز مخيون على حقّ أم كان لينين الرملي؟ كيف نحكُم. بالنُبل! بالصدق ونقاء النوايا وأخلاق الفروسيّة.

النبيل لا يصيد في المياه العكرة

والفارس لا يطعن خصمه في ظهره

النُبل لا يسارع بالحُكم والهجوم

والفُرسان لا يرقصون عند قبور أعدائهم

النُبل لا يتغذّى بسوء النيّة

والفارس لا يتحالف مع خسيسٍ لتحقيق فوز سهل على مبارزه

النبيل يلتمس الأعذار

والفارس لا يزكي نيران الفتنة اشتعالاً لتحقيق أهدافه

جرّت كلمة النُبل شلاّلاً من الكلمات الأُخرى التي لم نعُد نسمعها، وربّما انقرضت مع انقراض أفلام الأبيض والأسود: الأصالة والأصيل والأصول.. الفارس والفروسيّة.. التروّي .. الجِدْعَنة..

ألعلّ تلك الكلمات هي نفسها التي روّج لها الكاتب المصريّ/ أسامة أنور عُكاشة سواء في أحاديثه أو كتاباته أو في مسلسله الأشهر "ليالي الحلميّة". ماذا حدث إذن بعد ذاك ببضعة أعوام؟ رأينا أسامة أنور عُكاشة، المُبَشِّر بالأصالة (ممثلة في بطله المفضّل سليم البدري) يناظر علي سالم، الذي أدين له بفضل تذكيري بكلمة النُبل، على شاشة التلفاز.

المذبحة

أكانت مُناظَرة؟ أجمع مُشاهِدو ذلك البرنامج أنّها كادت أن تكون وَصلة ردح أو حتّى مذبحة، اتّهم فيها أسامة –المدافع عن اتّحاد الكُتّاب- عليّاً بما يُقارِب الخيانة العُظمى، لأنّ الكاتب الأخير –المُجاهر بليبراليّته- زار إسرائيل أكثر من مرّة.

كما قُلتُ في أوّل سطر، لا أعرف الكثير عن علي سالم، ولا عن نواياه، ولا قِبَل لي بقياس النوايا. كلّ ما أعرفه أنّ ذلك الرجُل أمتعني بمقالاتٍ ومسرحيّاتٍ وحديثٍ عن النُبل، وأنّ لديه الحقّ –من حيثُ- المبدأ أن يفعل ما يُريد. لا أعرف الكثير عن علي سالم، ولا أعرف مبرراته الحقيقيّة لزيارته إسرائيل –التي لم يُخفِها ولم يعتذر عَنْها. لكنّني لم أفهم، ولا أفهم، لماذا سُنّت السكاكين وأشهِرت الأسلحة ضدّه بالهجوم، حتّى بعد أَنْ فُصِل من اتّحاد الكُتّاب.

لا أفهم لماذا رَدَح الكاتب المُحترم أسامة أنور عُكاشة، لزميله في المهنة، وزميله السابق في عضويّة اتّحاد الكُتّاب.

ولو كان علي سالم قد أخطأ أو أساء الحِسابات، ففكِّر معي يا عزيزي القارئ: هل ما حدث أعطاه فرصة لالتقاط أنفاسه وتغيير موقفه؟ بالطبع، من باب النُبل والفروسيّة والمثاليّة، قد يرفُض الكاتِب إنكار "التُهمة". لكن، ما حدث بعد الاتّهام هو الإعدام. لقد أعدم اتّحاد الكُتّاب عضواً فيه –ذا تاريخ- وقطع عليه طريق العودة وإعادة الحسابات. لقد تكاثرت السكاكين على كاتب حرّ اقتنع بسياسة قليلة الشعبيّة: سياسة التطبيع. وكأنّ الكُتّاب الذين لا يقدرون على الحِمار، يتلذذون بصب غضبهم على البردعة (كما يقول المثل المصريّ)، وما سمِعنا أنّ الكثير منهم قد فعلوا شيئاً ضد سياسات القمع ا لإسرائيليّة، اللهم إلا الندب والتنديد والاحتجاج والمقاطعة.

إِن كان أحد القُرّاء يعرف أكثر عن علي سالم، أو يعرف أكثر عن اتّحاد الكُتّاب، فليُفِدني.. أمّا أنا، فبغضّ النظر، لن أنسى لذلك الرجُل درسه عن "النُبل".

كانت هذه حكاية ندوتي الرمضانيّة...

على هامش الندوة:

* أذكر أيضاً أنّ علي سالم قال، ردّاً عن سؤال بشأن دور الدولة في تعضيد المسرح: "لا تتوقعوا مساعدة الدولة؛ فلا تُطلب المساعدة من عاجز"!

اقرأ أيضاً:
* عن فصل علي سالم من اتّحاد الكُتّاب

"أصدر مجلس إدارة اتحاد الكتاب أمس قرارا بفصل الكاتب علي سالم من عضوية اتحاد الكتاب، بسبب دعوته للتطبيع الثقافي مع إسرائيل، وممارسته الفعلية له.
وكان المجلس قد عقد مساء أمس الأول، جلسة برئاسة رئيس الاتحاد فاروق خورشيد لتفعيل قرارات الجمعية العمومية، ووضعها موضع التنفيذ، وعلى رأس هذه القرارات ضرورة اتخاذ موقف ضد الكتاب المطبعين مع إسرائيل.
وكان المجلس قد أرسل من قبل خطابا إلى علي سالم لمثوله أمام لجنة للتحقيق معه فيما هو منسوب إليه من أعمال تطبيعية إلا أنه رفض ذلك، واستمر في دعوته للتطبيع، الأمر الذي دفع اللجنة القانونية للاتحاد بالتقدم إلى المجلس بأدلة ثبوتية تؤكد ممارسة علي سالم للتطبيع، ومنها زيارته لإسرائيل عدة مرات، وإصداره لكتاب يشمل كل ما قام به في زياراته.
واتخذ مجلس اتحاد الكتاب قراره ليلة أول أمس بالإجماع، وتم إبلاغ علي سالم بالقرار، ويمكن له أن يلجأ للقضاء للتظلم من القرار، لكن فاروق خورشيد قال إذا لجأ سالم إلى القضاء فسيواجهه الاتحاد في ساحات المحاكم مواجهة فاصلة.
المصدر: وكالات 26/5/2001

* عن أسامة أنور عُكاشة وحِواره مع علي سالم

"لماذا كنت حادا مع علي سالم لهذه الدرجة.. حتى إن البعض أخذ عليك اتهامك إياه بالخيانة.. وتهكمك عليه؟ لماذا لم تحكم نفسك رغم حنكتك في سائر الحوارات التي رأيناك فيها؟
لم أتعمد أسلوبا معينا في الرد على كراهات السيد علي سالم، بالعكس كانت الإجابة من نسيج الموقف الذي تمادى فيه المذكور إلى حد استفزاز مشاعر الجميع، وبالتالي بما أن الجزاء من جنس العمل كان لا بد أن تكون الإجابة حادة، وهو الأسلوب الوحيد الذي يصلح مع غوغائية وسفسطة السيد علي سالم، هو لم يعتمد المنطق الموضوعي في كلامه، بل اعتمد على مجموع من المغالطات التي يرددها مع صحبة من أدعياء السلام، ويريدون بها أن يقفزوا فوق كل الثوابت في الموقف العربي، وبالتالي كان من العبث التحاور معهم بأي منطق، وكان الأسلوب الوحيد المجدي والنافع أن يجلدوا بمنطق ملايين الناس الذين يحذ في نفسهم كل يوم ما يحدث على أرض فلسطين، وما يوجه إليهم كل يوم من إهانة مشاعرهم القومية والدينية."


الخميس، أكتوبر ١٤، ٢٠٠٤

أفيون الشعوب؟

تعقيب: أفيون الشعوب؟

بدأ بعض القرّاء بالفعل يتركون التعليقات، وأنا على ذلك أشكرهم بشدّة. وبالطبع، تدفعني بعض التعليقات أيضاً إلى المزيد من التفكير، ومنها تعليق وقّعته "مافي" مشيرةً إلى مقولة شهيرة تُنسب لكارل ماركس، وهي أنّ "الدين أفيون الشُعوب".
هذا القَوْلُ في حدّ ذاته يبدو بسيطاً، لكنّه -ربّما مثل عقلي- مُعَقَّد بالفعل. وإٍنْ كان البعضُ يتّخذون قَوْلَ ماركس هذا ’ديناً‘، فالبعضُ -وهم غالباً أكثر- يعتَبِرونه كُفراً. وأنا أقول للبعض "الأولانيين" وللبعض "الآخرين" مهلاً مهلاً. لنتناول المَقولة بهدوء وعقلانيّة ونفهمها ونتفهّمها كي نستطيع التفاهُم بأسلوب آدمي إنسانيّ ناضح راشد.
العُبارة جملة اسميّة مُبتدأُها الدين (بلا تخصيص) وخبرُها أفيون. والعِبارة تحمِل تشبهياً بالطبع، فليس المقصود أنّ الدين هو ثمرة نبات الخشخاش، بل كلمة أفيون مُضافة إلى الشُعوب مُشيرةً إلى تأثير للمُبتدأ (كلمة "الدين") على الشعوب (بلا تخصيص شعب معيّن).
"كفاكَ سَفْسَطةً" وتلاعُباً! أتقول هذا أيّها القارئ؟ لا أتلاعب بالمرّة. القَولُ ليسَ بسيطاً، وفي الوقت نفسه هو رأي مُطلق يَصعُب إثباته أو نفيه، وينتمي إلى طائفة من الكلِمات التي يُسَمّيها الكاتب المصريّ زكي نجيب محمود بالكلمات "الخالية من المعنى*". وهو لا يقصد بهذا أنّها كلام فارغ، بل يعني أنّها لا يُمكِن إثباتها أو نفيها بالمنطق أو بالعلم.
يُمكن ببساطة تحوير قَولِ ماركس لإرضاء بعض القُرّاء دون غيرهم. فما رأيك في العبارات التالية؟
- الدين الباطل أفيون الشعوب.
- كلّ دين أفيون الشعوب ما عدا ديني.
- الدين غير السماوي أفيون الشعوب.
- ديانة عبادة الشيطان أفيون الشعوب.
- الدين أفيون الشعوب الفقيرة.
- الدين أفيون الشعوب الجاهلة.
- التديّن الشكلي أفيون الشعوب الحرفيّة.
- دين بلا إيمان أفيون لشعوب بلا عقول!
- إلخ.. إلخ...
علماً بأنّنا لم نتحقّق بعد إِنْ كُنّا -أنا وقرّائي- نتّفق -أصلاً- على تعريفٍ مشترك للـ"دين" وللـ"أفيون"، ذلك العلاج الذي يُستخدم أيضاً كمخدر.

مرّة أخرة أؤَكِّد لك أنني لا أتلاعب وسأدخُل إلى الموضوع مباشرةً.
العِبارة التي قالها ماركس عن الدين لا يُمكِن أخذََها خارج السياق، ولا يُمكِن تعميمها. ولا يُمكِن تداولها بين أناسٍ لم يقرأوا الكتِاب الذي وردت فيه. فعندئذٍ تصير قُنبُلةً موقوتة، وتصير هي نفسها مُخَدَِراً وأفيوناً. ولا يُمكِن بِحالٍ من الأحوال الاتّفاق معها أو نفيها. لكنّها بالفعل تُنبِّهُنا إلى شيء مهم: هل يوجد أفيون للشعوب؟ هل توجد مُخدِّرات تُسَهِّل قيادة الشعوب؟

(يُتبَع بعد قليل)

اقرأ في بقيّة المقال قريباً:
- السبعينيّات: الكُرة أفيون الشعب المصري؟
- الألفيّة الجديدة: الفيديو كليب أفيون الشعوب؟

- من الذي يُخدِّر من: هل يخدِّر الحُكّام شعوبهم أم يخدِّر الشعوب أنفسهم؟


هوامش:
* زكي نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا- دار الشروق

كتب في هذا الموضوع:
- عمرو إسماعيل: هل الدين هو فعلاً أفيون الشعوب، أم أنّ هناك مفهوم أفيونيّ للدين؟
- شوقي أبو خليل: حول مقولة الدين أفيون الشعوب

eXTReMe Tracker