"BEYOND NORMAL" BACKUP

A backup site for "BEYOND NORMAL" Blog.
LAST UPDATED: 01 Jan 2005

الجمعة، يوليو ٣٠، ٢٠٠٤

فن الضحك على الدقون- مثال من موقع الجزيرة

مقتل وإصابة 115 شخصا بانفجار ضخم ببلجيكا
باول في بغداد وارتفاع قتلى الفلوجة إلى 13

كلّما اتُّهِمت قناة الجزيرة أو شبكتها الإعلاميّة على الإنترنت بالانحياز أو أحياناً بالتواطؤ مع قوى إرهابيّة، أجاب العاملون والكتّاب بتلك الشبكة بمتلازمة الإجابات التالية: نحن نعرض الرأي والرأي الآخر، نحن نغطي الحرب على "ما يسمى بالإرهاب" تغطية موضوعية على عكس الإعلام "الغربيّ"، نحن مظلومون من الحكومات العربيّة المتواطئة مع الغرب (ما عدا حكومة قطر بالتأكيد)، وهكذا…
ويجد كلام "الجزيرة" وممثلوها صدىً لدى الجميع، وحتى لديّ، لدرجة تجعلني أحياناً أصدقهم ببراءة المشاهد العادي. فأنا وغيري نعرف جيّداً أن الشبكات الإعلاميّة الكُبرى في الولايات المتّحدة (من حيث تأثيرها في الأعداد) هي الأخرى منحازة موجّهة ولا تغطي أيّ شيء تغطيةً إعلاميّة موضوعيّة عادلة، بما في ذلك الفن والرياضة.

ولأنّه من المستحيل أن توجد "تغطية موضوعيّة"، فالقارئ والمشاهد لا يتوقّعان تلك الفضيلة الغائبة من أيّ جهة إعلاميّة، لكنّ القراء والمشاهدين –وأنا منهم— نطالب أيّ إنسان يكتب خبراً أو يتلوه، أن يحترم آدميّتنا وعقلنا، وأن يحترم أيضاً آدميّته وعقله هو الآخر.
لذلك، فأنا قد قرّرت النظر بالكثير من الانتباه لما أحبّ أن أسمّيه "فن الضحك على الدقون"، وهو فنّ قديم قدم تعلّم الإنسان فنّ الاتّصال بالإشارة والكلام قبل ولادة وسائل الإعلام. و"فنّ الضحك على الدقون" والاستخفاف بالعقول هو الصورة السلبيّة لفنّ جيّد ومطلوب، ألا وهو فنّ الإقناع والتأثير. فلا يوجد ما يمنع أن يبحث "المُرسِل" عن التأثير الفعّال في "المُستقبِل"، وإلاّ ما وُجِدت أيّ خطب سياسيّة أو دينّية أو إنسانيّة. لكنْ لا بدّ أن يتمّ هذا التأثير والإقناع في إطار من الاحترام الحقيقيّ لآدمية الجميع، فنحنُ لسنا قطعاناً وإن كنّا قد سلكنا في أيّ وقت مضى كأغنام ضالّة، فلا شكّ أنّنا لا نريد أن نعامل كالأغنام بعد اليوم.
وها أنا أتعّهد برصد فنّ "الضحك على الدقون" أينما وجدته، وأيضاً أتعهّد –بكل ما أوتيت من قوة وجهد وعقل— ألاّ أسعى أبداً للضحك على دقون القراء، وأن أعتذر وأصحح ما أكتب في كلّ مرة أجد فيها أن محاولتي للإقناع قد استختدمت أيّة وسيلة رخيصة أو خبيثة لخداع القراء.
وأنا أعرض هنا مثالاً بسيطاً لكنّه صارخ، وهو في هذه الحالة من موقع الجزيرة بتاريخ 30/7/2004، وبالطبع قد يتم تعديل الخبر في ما بعد، لكنني سأسجلّه في ما يلي.
في الصفحة نفسها، الصفحة الأولى/الرئيسيّة َوَرد الخبران التاليان:

مقتل وإصابة 115 شخصا بانفجار ضخم ببلجيكا
قتل 15 شخصا على الأقل وأصيب مائة آخرون بجروح في انفجار أنبوب للغاز قرب مدينة آت جنوبي بلجيكا. وأعلنت شرطة آت إطلاق خطة الكوارث, وأمرت السكان المحليين بالمكوث في منازلهم تحسبا لوقوع المزيد من الانفجارات.

باول في بغداد وارتفاع قتلى الفلوجة إلى 13
حل وزير الخارجية الاميركي كولن باول ببغداد قادما من الكويت، في زيارة مفاجئة يتوقع أن يجري خلالها محادثات مع مسؤولين عراقيين. ميدانيا ارتفع ضحايا الغارة الأميركية على الفلوجة والاشتباكات التي اندلعت بين مسلحين والقوات الأميركية إلى 13 قتيلا ومثلهم من الجرحى.

ماذا! قُتِل 15 شخصاً في بلجيكا و13 في الفلوجة. وجُرِح 100 في بلجيكا وحوالي 13 في الفلوجة.
كلام واضح وجميل. لكن أكثر القراء يقرأ العنوان الأحمر الكبير ولا يركز في بقيّة الخبر. والعنوانان الأحمران يقولان: مقتل وإصابة 115، قتلى الفلوجة 13؛ فالانطباع الأوّل إذن هو أنّ انفجار بلجيكا أخطر كثيراً. ورغم أنّ عادة الجزيرة وسياستها هي إظهار فظائع الأمريكان في العراق، إلاّ أنّه لا يوجد شكّ واحد أنّ هدفهم هذه المرّة هو المبالغة في إظهار مشكلة بلجيكا. أمّا في تغطية خبر العراق، فلم يستخدموا أيّة مبالغة، بل قاموا بالعمل الطبيعي المطلوب منهم: تقرير الحادث وعدد القتلى والجرحى (13 قتيلاً ومثلهم من الجرحى).

لماذا يا تُرى تريد الجزيرة لفت الانتباه لحادث بلجيكا؟ هذا أمر لا أستطيع أن أفهمه اليوم, ولعلّي أفهمه غداً. لكنّني أيضاً لاحظت أنّ استطلاع الرأي هذا الأسبوع على موقع الإنترنت للجزيرة هو: هل تؤيّد تهديدات القاعدة بشنّ حرب على الأوروبيين؟
وأسئلة استطلاعات الجزيرة دائماً ما تضحكني، لأنّ إجاباتها عادةً ما تكون متوقعة بشدّة، وهي محاولة ساذجة –وإن كانت لا بأس بها— لإظهار تأثير "الجزيرة" على مشاهديها وقرائها، أو اختبار هذا التأثير، أو الرد على استطلاعات الشبكات
الأمريكيّة (والأخيرة عادةً أكثر حنكة لكنّها لا تقل عن الجزيرة في كونها مغرضة- في رأيي بالطبع).
فماذا كانت الأرقام يوم 30/7/2004؟ 38.6% يؤيدون و 61.4% يعارضون. أنا شخصيّاً لا أتخيّل كيف يمكن لإنسان أن يؤيّد "تهديدات بشن حرب"! ولا أفهم ما معنى أصلاً أن أؤيّد أو أعارض. لكن، كان من الواضح حتّى قبل أن أدلي بصوتي المعارض، أنّني سأجد نتيجة الاستطلاع بها نسبة لا بأس بها من المؤيّدين، فالجواب يبان من عنوانه والاستطلاع ينكشف من سؤاله!

خلاصة القول أنّ قناة الجزيرة أتحفتني اليوم بمثال رائع على التلاعب بالعناوين والانتقاء في جمع الجرحى مع القتلى للتأثير على القرّاء. هل يمكن اتّهام الجزيرة بناء على ذلك بأنّ بعض محرريها أعضاء أو موالون لتنظيم القاعدة؟ أوّلاً قد لا يكون هذا اتّهاماً، فقد يرى البعض أن لا عيب ولا تهمة في الانتماء لـ"القاعدة" (أو ما يسمى بالقاعدة، أو تنظيم القاعدة المسمى بالإرهابيّ، أو أو أو...)، وقد يرى البعض أنّه يمكن اتّهام الجزيرة بذلك، لكنّه بالطبع حقّ الشبكة وحقّ شرعيّ إنسانيّ لكل عضو فيها.
بالطبع أي شبكة إعلاميّة حرّة في ما تفعل، لكنّني أيضاً حرّ في أن أراقبها وأرصد تلاعبها. وأنا هنا أتحدّى قارئاً واحداً أن يقول لي إنّ هذا التباين بين العنوانَيْن ليس تلاعباً و"ضحكاً على الدقون"!!
ـ

الجمعة، يوليو ١٦، ٢٠٠٤

4 "وَسَّع مِن وِشّ العُقَلاء"

4) "أحسن مِ الشرف ما فيش"

اليوم ونحن في منتصف شهر يوليو من 2004 م، ما زالت لقطات الفصل الأول من محاكمة الرئيس العراقيّ السابق صدام حسين المجيد التكريتي عالقة بالأذهان.
في هذه المحاكمة الطريفة التليفزيونيّة تلا القاضي على الرئيس المخلوع قائمة بالاتّهامات الموَجّهة له، وكان من تلك الاتّهامات غزوه للكويت في 1990، وأجاب المتهم الأبيّ مستنكراً على القاضي أن يكون عراقيّاَ ويذكر الكويت كبلد ذي سيادة، مؤكِّداً أن مواطني الكويت كلاب وأنّهم أرادوا أن يجعلوا من نساء العراق عاهرات.
وليس الاتّهام الأخير بالغريب كمبرر لغزو الكويت، فحيثُ إنّ البعض يسمّون الدعارة "أقدم مهنة في التاريخ"، فلا شكّ أنّ الصراع بين البشر من أجل العِرض أو الشرف، ومن ثمّ حروب الشرف، هي من أقدم الحروب في التاريخ.
وكم من قتلى قد سقطوا لحماية شرف بعض النساء، أو للدفاع عن سمعتهن، أو الانتقام ممن تحرّش بهن، إلخ... وكم من هذه الحالات كانت –ويا للأسف— مجرد أكاذيب!

ومن الأمثلة الدراميّة على "حروب الشرف" تلكَ، ما دبّره شمعون ولاوي ابنا يعقوب ابن إسحق ابن إبراهيم إبي الآباء، جد العرب واليهود والكثير من شعوب الشرق الأدنى. قام هذان الأخان بما كدّر قلب أبيهما، إذ قتلا قبيلةً كاملة بحيلة ماكرة، انتقاماً لمساس زعيمهم بدينة أختهم، بالرغم من أنّ تلك القبيلة قد أبرمت صُلحاً مع يعقوب وبنيه، وتعهد المذنب بـ"إصلاح غلطته" والزواج بابنة يعقوب. ويروي سفر (أيْ كتاب) التكوين –أول أسفار التوراة— هذه القصّة بالتفصيل، في الأصحاح (الفصل) الرابع والثلاثين.

من السهل، ومِنَ السهلِ جدّاً تحريك كُتل من الجموع وإشعال غضبهم، وقيادتهم للقتل والسبي والنهب، بشرط إيجاد مبرر قويّ، ويفضّل أن يسبق ذلك المبرر القوي حملة من الشحن والاستقطاب تقضي على كلّ حكمة وعقلانيّة عند جموع البشر، فيتحوّلوا في لحظات إلى قنبلة موقوتة وبركان متفجِّر، لأنّهم ببساطة يصيرون قطيعاً سهلةٌ قيادته، بالرغم من أنّ الله خلقهم –على مثاله— أحراراً ذوي عقل وتمييز.
كيف يغيب العقل وكيف تضمحلّ نعمة الشك عند الإنسان، المتميّز عن كافّة الكائنات الأخر بمخٍّ شديد التعقيد؟ كيف يُختَزَل بشرٌ مبدعون، ذوو قدرة على الإبداع والتحليل والنقد والتحقُّق والترّوي، إلى كائنات شبه حيوانيّة، مغسولة المخ، تتحرك كالقطيع وتدهم ما أمامها آتيةً على الأخضر واليابس، وتدهس الظالم والمظلوم بل وعابر السبيل أيضاً؟
إنّ خُطبةً ناريّةً قد "تستأنس" العُقلاء من البشر وتحوّلهم إلى أتباع مخلصين للخطيب؛ وقد يأتي بالنتيجة نفسها شائعةً سريعة الانتشار، نصفها صدق ونصفها كذب. والحنكة في ترويج الشائعات –كما يعلم الأكثرون— هي أن تخلط فيها الحقيقة بالأكاذيب، وتجمل هذا وذاك بالمبالغة مع تتبيلها بباقة من الكلمات الرنّانة التي لا يجسر أحد أن يراجعها بالذات في وسط جموعٍ غاضبة مُستََنفرة. وما أكثر الكلمات الرنّانة التي لا تُراجَع: الدين والعقيدة، الأرض والعرض، الكرامة والشرف. وقد تعلّمنا من الفنّان المُخَضرم توفيق الدِقن أنّ "أحسن مِ الشرف مافيش". أليس كذلك؟

تحريك القطعان البشريّة

أدعوكَ عزيزي القارئ لأن تقوم بجولة ذهنيّة مع الفِتن والمظاهرات والمكائد والدسائس والمعارك والحروب التي عاصرتَها، وأن تتفحّص أسبابها: أتحدّاك شخصيّاً إن وَجَدتَ أنّ نصفها قد بُنِيَ على حقٍّ بيّن لم تشُبه الأكاذيب، وأتحدّاك أيضاً إن أثبتّ لي أنّ أكثر من 80% من الفِتن والحروب وأعمال التخريب لم يكن مُمكِناً تلافيه سلميّاً باحتواء الأسباب وتوضيحها فحسب.
أقرب مثل ساخر مبكٍ هو الحرب الأخيرة على العِراق والتي بُنِيَِت على ما يعتبره البعض أكذوبة (سوداء أو بيضاء)، ويعتبره البعض الآخر مؤامرة حقيرة. قبلها أغارت الولايات المتّحدة على أفغانستان بحجّة القبض على عدة مئات من أعضاء القاعدة، أُطلِق سراح الكثير منهم، وبقيَ الأكثر مختبئين كما كانوا من قبل. الأطرف بالطبع هو أنّ الأدلّة على تورط هؤلاء الأعضاء من هذا التنظيم في الهجمات على الولايات المتحدة لم تُعلن بوضوح حتى الآن. هذا على المستوى العالمي الشهير، على مستوى محلّي مثلاً، أذكر تلك الملصقات التي ملأت جدران جامعة القاهرة والمناطق المحيطة بها في أعقاب مذبحة الخليل، حين أطلق متطرف إسرائيليّ النيران على مصلين مسلمين فلسطينيّين بالحرم الخليليّ. كانت الملصقات تقول: "استفيقوا يا مسلمون، اليهود قتلوا المُصلّين". هكذا؟! أنا متأكِّد أنّ أغلبية من يقرأون هذه الكلمات الآن لا يجدون غرابة في هذا الملصق، لكنّني لا أستطيع أن أصفه بغير الكذب والتحريض. المُلصق يقول إنّ اليهود قتلوا المصلين! المعنى المباشر للكلمة أنّ اليهود (معرفين بالألف واللام) هم جميع من يدينون باليهوديّة في أنحاء الأرض، بل من الإنس والجان، وأنّهم قتلوا المصلين (معرفين أيضاً بالألف واللام)، بمعنى أنّ اليهود أجمعين مسئولون عن قتل المُصلّين (ولا أجد تفسيراً لغويّاً لتعريف المصلين بعد). حتّى لو ذكر المُلص أنّّ "يهوداً قتلوا مصلين"، فهذا أيضاً مبالغ فيه، لأنّ القاتل كان رجلاً واحداً وربما عاونه آخر. المقصود من هذا الملصق بلا شكّ، هو –بالنص— أن يستفيق المسلمون (مِن سُباتِهم أو غفلتهم)، ويبحثوا عن حقّ المصلين القتلى (الذين لم يحدد المُلصق عددهم). كيف يستفيقون؟ تركها الملصق مفتوحةً، فربما يجد مسلم أنّ واجبه رفع قضيّةً على "اليهود"، وربّما يجد آخر أنّ عليه الثأر بنفسه من "اليهود" أينما وجدهم، وربّما فهمها ثالث أنّ عليه قتل أيّ شخص آخر—غير مسلم— ليشفي غليله ويحقق القصاص (على الطريقة الأمريكيّة من الانتقام من أفغانستان والعراق ثأراً لضحايا هجمات سبتمبر). القارئ قد يظنّ أنني أهذي، لكنّ ما حدث بعدها بعام واحد وفي التاريخ نفسه، هو أنّ مسلحين مسلمين فتحوا النيران على 16 شاب وشابة مسيحيين في كنيسة بأبي قرقاص بالمنيا، ولم تقدم الأجهزة الأمنية تفسيراً لاختيار من سمّوهم بـ"المتطرفين الإرهابيين" ذلك التاريخ (وربما تسميهم قناة الجزيرة اسماً آخر). لاحظ قبل هذا وذاك أنّ الحادث الأوّل المماثل للحادث الآخر، قد قام به إسرائيليّ متطرف (وهو بفعلته فخور رغم محاكمته)، وأنّ بقيّة اليهود في العالم لم يشتركوا في جريمة القتل كما زعم المُلصَق. وإِن كان اليهود في العالم أجمع مسئولين، فذلك يُشابه ما قد نقرؤه أيضاً بأقلام متطرفين أمريكيين (وإن كنت لم أقرأ شيئاً كذلك بعد، ولكنّه وارد جدّاً، ما دام العقل شحيحاً): "استفيقوا يا أمريكان، أسقط البُرجَ الأفغان". كلّها أكاذيب ومبالغات إن لم تكُن مغرضة، فهي حمقاء، وثمارها –للأسف— قتل وتدمير وإفساد في الأرض.

في الجامعة، كأيّ شاب في فورة الشباب، كنتُ أحلم وأتمنّى بالوقوف في مظاهرة، لاستخدام حقّي في الاعتراض؛ ولكنني لم أستطع أن أقِف في أيّ مظاهرة: سواء كان منظموها إسلاميّين أو يساريّين أو مجرد وصوليّين! فكلّ مظاهرة تحمل في لافتاتها بعض الحق والكثير من الباطل، بعض العدل والكثير من التجني، بعض الحكمة والكثير من الحماقة. لا يعني هذا أنّ السلبيّة هي الحل، لكن، وما أكثر ما سأكرر هذه الكلمات: العقلانيّة، النضج، الحكمة. هل من راشِدٍ في هذه الأرض فنتبعه؟ يقولون إنّ سن الحادية والعشرين هو سنّ الرشد، وأتساءل: مَنْ مِن الراشدين قد بلغوا الرشد بالفعل؟

بحب السيما: شرفك ودينك يا عسكري!!

عندما بدأت سلسلة "وسّع من وش العُقلاء"، أخبرتكم يا قرائي الأفاضل أنّ ما فجّر أفكاري الراقدة الراكدة كان ما قرأته وسمعته عن ردود الأفعال المختلفة إِثر عرض فيم "بحب السيما" في مصر. هذا الفيلم –في ما يبدو— قد تطرّق لمحرمّات الإعلام المصريّ الثلاثة: الدين والسياسة والجنس. ورغم أنّني لم أتشرف بأداء الخدمة العسكريّة، فأنا أعلم أنّ هذه المحرّمات الثلاثة موجودة في الجيش أيضاً، بل أنّ الجنديّ –نظريّاً— عليه أن يطيع القائد طاعةً عمياء إلاّ –بالطبع— في ما يتعدّى على دينه وشرفه. كان طبيعيّاً إذن أن تكون مفاتيح إثارة الغضب إثر ذلك العمل السينمائيّ، هي التعرض للدين والشرف. ولأنّ كاتب السيناريو مسيحيّ مصريّ، فهو لا خيار له في مناقشة قضيّة دينيّة إلا إن فعل ذلك في إطار أسرة مسيحيّة، وإلاّ اتّهم بالتشهير بدين الأغلبيّة! وأنا لا أعرف لماذا أراد الكاتب مناقشة عُمق إيمان الأبطال، ونظرتهم لله وللغيب والجنّة والنار، لكنّ كل كاتب حرّ في ما يناقش، وكلّ متفرّج أيضاً حرّ في ردّ فعله، لكنّ السؤال الجوهريّ هنا هو في رأي من لم يتفرّج وفي ردود أفعالهم. من الواضح أنّ لموجة الغضب على الفيلم رافدَيْن: قاعدة شعبية (قد يكون بعضهم قد شاهد الفيلم أو بعضاً منه)، ونُخبة دينيّة (لا شكّ أنّ أحداً منهم لم ولن يشاهد فيلماً للكبار فقط، فيه مشاهد تكشف فيه البطلتان عمّا يأبى رجال الدين أن تكشفه امرأة إلاّ لزوجها). لو كان أحد الغاضبين قد شاهد الفيلم، لقُلنا إنّ ليلى ومِنّة (بطلتا الفيلم) قد أتقنتا التمثيل لدرجة جعلت الجمهور يصدق أنّهما مسيحيّتان، وأنّ ما فعلاه –بإيعاز من المؤلف والمخرج و تشجيع من المنتج والحاضرين بالأستوديو— قد نال من شرف الأقباط جميعاً (على غِرار اليهود قتلوا المصلين، انظر أعلاه). لكنّ المُشكلة المرَكّبة هي أنّ الغاضبين أعلنوا مقاطعتهم للفيلم، أي أنّهم لم ولن يشاهدوه، وأنّهم يتهمون الفيلم بالإساءة للأقباط عامّةً، وباتّهام نسائهم بالفسق وارتكاب المعصية، ولم يبدُ من شكاواهم أنّهم يهتمّون بشرف ليلى علوي شخصيّاً، وكأنّ لسان حالهم يقول: أظهِري ما شِئتِ من جسدِك، لكن لا تدّعي أنّكِ مسيحيّة! وكذلك لم يشتكِ المُشتكون من اشتراك طفل صغير في ما قد يُؤثِّر عليه سلبيّاً، خاصّةً أنّهم غاضبين كلّ الغضب من ذلك الطفل الملعون، الّذي يفضح الجميع، ويتبوّل على المصلّين، ويجسر أن يتحدّث بلغة عاميّة متبجّحة أمام أيقونة (أي صورة ثنائيّة الأبعاد ذات وقار دينيّ) السيّد المسيح. أكّرر أنّني أيضاً لم أشاهد الفيلم، وأنّ كُلَّ ما أذكره أعلاه مقتبس من نصوص الشكاوى القانونيّة، وهتافات المظاهرات.
ولأنّ موضوع فيلم "بحب السيما" موضوع طويل وشائك، سوف أتناوله أكثر بكثير، أحبّ أن أوضّح باختصار لماذا أنضمّ إلى زمرة من يكتبون عن هذا الفيلم. لم أجِد في ما كُتِب حتّى الآن محاولة لفهم الأحداث وسبر غورها، فمن كتبوا كتبوا عن الفيلم نفسه بالمدح أو القدح أو التحليل الموضوعيّ، وكتبوا عن ردود الأفعال بأسلوب خبريّ تارة، واستنكاريّ تارة، وغاضب مؤيّد تارّة. لكنّني لا أجد نفسي قادراً أو مؤهلاً على إصدار أحكام، طالما لم أشاهد الفيلم، وطالما أنّ إصدار الأحكام مبكراً يغلق العقل عن الفهم ويعمي العين عن البصيرة. في المقالات التالية إذن، سأحاول استقصاء الحقائق، وتحليل الآراء والأفعال وردود الأفعال، وغايتي من هذا الفهم قبل كلّ شيء: الفهم الهادئ، غير المتشنج ولا المندفع، وقاني الله شتائم جميع الأطراف المعنيّة!

الأربعاء، يوليو ١٤، ٢٠٠٤

3 "وَسَّع مِن وِشّ العُقَلاء"

3) حكمة هذا الجيل؟ أبيض وأسود!
بدأتُ سلسلة مكاتيبي بتخوّفي من تناقص الحكمة والعقلانيّة في ما أقرؤه وأسمعه يوماً بعد يوم، وتخوّفي هذا نابع من ظنّ –يعلم الله وحده مدى صحته— أنّ ما أسميه حكمة وعقلانيّة هم أفضل لي وللبشر جميعاً مما أراه حماقة و"حمقةً". والـ"حمقة" مصطلح نستخدمه في العاميّة المصريّة تعبيراً عن درجة من الغضب غالباً ما يعبّر المرء عنها بمزيج من التصرفات التي أعتبرها أنا شخصيّاً حمقاء متسرعة. ويكثر القول لدى المصريين لمن يبلغ تلك المرحلة من الغضب: "ما لك محموق ليه؟ هدّي نفسك!" وينطوي هذا القول على تلميح واضح بأنّ الـ"محموق" لا ينبغي أن يتخذ قراراً قد يندم عليه في ما بعد، بل يفضّل أن يهدأ، ولو بشرب قدحاً من الليمون أو الـ"عنّاب"، ربما اهتدى إلى تصرف حكيم.
وقد نبّهت قرّائي في بداية سلسلة مكاتيبي عن العقلانيّة، بأنّني –رغم إيماني بأنّ ما أسميه عقلانيّةً صفة حميدة— قد أكون أنا الذي فقدت عقلي، لأنّني أرى يوماً بعد يوم "حكماء هذا الجيل" لا يمارسون الحكمة التي أعرفها وأسعى لنوالها. ومرّة أخرى، فـ"حكمة هذا الجيل" تعلم بني هذا الجيل أنّ ما أجمع عليه القوم وتعارفوا عليه هو العقل بعينه، و"العقل زينة"، فطوبى للعقلاء. ولا شكّ أن قصّة "نهر الجنون" الشهيرة والتي كتبها جبران قصّة قصيرة، وكتبها توفيق الحكيم مسرحيّةً قصيرة، والله أعلم بمصدرها الأول، هي خير مثال على نسبيّة العقل والحكمة بين الأجيال. ففي القصة الشهيرة، سمم الأعداء نهر المملكة بدواء يصيب بالجنون، فأصيب الجميع بالداء عدا الملك ووزيره؛ إلاّ أنّ الأخيرََين اتُّهِما بالجنون لمخالفتهم "حكمة المملكة"، حكمة المجانين! فكان أن اتّخذ الملك والوزير القرار الحكيم، وشربا من نهر الجنون، واحتفظا بمنصبيهما وحفظا مقاميهما.
الحكمة التي تسود يوماً بعد يوم، تغذّيها عدّة أنهار في يومنا هذا، ويحلو لي أن أسميها: "حكمة الأبيض والأسود". إنّها حكمة لا ألوان فيها، ولا درجات من الرمادي! حكمة خلاصتها أنّه ما دام "الحق أبلج، والباطل أعوج"، فليس هناك شكّ في ما ليس فيه شك! العالم حسب هذه الحكمة ينقسم إلى أبيض وأسود، خير وشر، صواب وخطأ. والبشر حسب هذه الحكمة أخيار وأشرار، بنو النور وبنو الظلام، حزب الله وحزب الشيطان، معنا أو علينا!

كما أسلفت، التقت العديد من الروافد في مطلع ألفيّتنا الثالثة (ألعلّها الأخيرة؟)، لتصب في نهر حكمة الأبيض والأسود. التقت النزعة العاطفية، بالتراث القبليّ، بالأصوليّة الدينيّة، بمفردات ما بعد ما بعد الحداثة، بالرِدّة تلو-الاشتراكية. وشعوري مع مراقبة أمور بلدي وأمور العالم أنّ تلك الروافد وذلك النهر يشرب منهم يوماً بعد يوم مواطنو "النظام العالمي الجديد"، القرية الصغيرة التي تربطها شبكات الاتّصالات بشكل غير مسبوق، ويمزقها الفقر والحروب بشكل غير مسبوق أيضاً.
وهل يوجد مثال على هذا خير من تصريحات الرئيس الأمريكيّ الفلتة "جورج و. بوش" للعالم المتحضر أجمع: "أنتم إمّا معنا أو مع الإرهابيين!!". لم أسمع تصريحاً كهذا منذ نكتة الجندي البسيط الذي قابل جنديّاً آخر بسيط فسأله: "أمن جيشنا أنت أمن من جيش العدو؟"، فأجابه الجندي الآخر الخائف: "أنا من جيشك"، فقتله الأوّل مفتخراً "ها ها! أنا العدوّ!!".

لماذا أذكر قصّة الأبيض والأسود هنا، علماً بأن هدفي من تلك الصفحات ليس التحدث عن قضايا العالم، ولا عن الفكر الذي يسود قريتنا الصغيرة الغنيّة الفقيرة (الأرض)؟
أرصد تلك الظاهرة لأنّها بالتحديد ما أعاني منه، وهي بالتحديد ما يصيبني بالدهشة إزاء جميع تلك المقالات. لطالما شعرتُ بصعوبة في التحزب، ونظراً لأنني –والحق يُقال— لم أتربَّ على الديمقراطيّة، فأنا عاجز عادة عن الانتخاب (والحمد لله أنني لا أحتاج لهذا أبداً تقريباً). الانتخابات الوحيدة البسيطة كانت انتخابات الأفراد في مجالس المدرسة والجامعة، لكن انتخاب أعضاء الأحزاب تعجيزيّ بالنسبة لي. أرى شخصاً عاقلاً ناجحاً، وأراه يقول أموراً تناقض طباعه لأنّها توافق سياسة حزبه. ولماذا يجب على حزبه أن يقول هذا؟ لأنّها سياسة الحزب؟ ولماذا لا يغيرونها إن كانت آراء الأعضاء تتغيّر؟ لأنها ضد سياسة الحزب الآخر؟
في أمريكا حزب ينادي بالإعدام ويرفض الإجهاض، وحزب ينادي بحريّة الإجهاض ويرفض عقوبة الإعدام! فإن انتقلت إلى الكنيسة الكاثوليكيّة، تجدها ترفض الإعدام والإجهاض وتنظيم النسل، حماية للحياة! كلهم كلامهم جميل، لكن حين أجد كاثوليكيّاً يدافع عن قضايا كنيسته، أشعر أنّه يفعل هذا تحزباً لا عن اقتناع كامل! ولأنّني ولدت في زمن ما بعد الحداثة، وتربيّت على يد جيل نظريات النسبية والطبيعة المزدوجة للضوء، فأنا أجد رفضاً تاماً بداخلي لفكرة أن هناك حلاً واحداً لكل مشكلة في كل وقت! فمن على حق ومن على باطل؟ ومن هو الملاك ومن الشيطان؟ من يفعل الخير كله ومن لا يعرف إلاّ الشر؟ لم ألقَ أحداً ينتمي إلى الأبيض دائماً دون أن يشوبه السواد، ولم ألقَ إنساناً خنق الشر فيه كل أمل في التغيّر.

يوجد أمر آخر يجعلني أضرب كفّاً بكف على "حكمة هذا الجيل"، وأظنه يستحق مقالاً كاملاً: كيف يطوّع بنو آدم مشاعرهم لتوافق قناعاتهم وأفكارهم المسبقة! اليوم، وأثناء كتابتي لتلك السطور، قتل إنسانان سبعة آدميين في مكان ما في العالم، وقُتِل ثلاثة وهم يحاولون قتل اثنين في مكان آخر، وغرق خمسة بينما نجا سبعة في مكان ثالث. هل تنفعل يا عزيزي القارئ؟ أراهن أن انفعالك محدود، وقد أزيد من تأثّرك لمن قتلوا إن قُلت لك أنّ أحدهم كان له أولاد، وأنّه قتل بحروق شديدة، ولم يمُتْ مباشرةً. لا شكّ أنّك ستتأثر أكثر كلما عرفت تفاصيل أكثر. لكنني أراهن أيضاً أنني أستطيع أن أشعل تأثرك أو أخمده، أستطيع أن أجعلك تفرح لموت البعض بدلاً من الحزن، وتحزن على نجاة البعض بدلاً من الفرح. أتخمن كيف؟ أعرف أنك فهمت قصدي! نعم، كلّهم بنو آدم. كلّهم من بني جنسك، ولو كانوا قردةً أو كلاباً لتأثرت أيضاً. ربما لن تتأثر إن كان القتلى صراصير أو ثعابين. لكن إن بدأت الآن في تصنيفهم حسب مصنفات لم يخترها أكثرهم: كأن أقول أن القتلى السبعة كانوا أمريكان أو عراقيين، سوداً أو بيضاً، يهوداً أو هندوساً، أو أن أقول أن الثلاثة الذين قتلوا أثناء محاولة قتل اثنين كانوا إسرائيليين يحاولون قتل فلسطينيين، أو سعوديين يحاولون قتل بريطانيين، وهكذا.
هنا تبدأ مشاعرك في التأثر، ويندفع الدم إلى عروقك، ليستبدل –في الأغلب— العقلانيّة والحكمة والهدوء. هنا يختلف رد فعلك بشكل لا أستطيع أنا تصوره: فلو كنت صحافيّاً في الجزيرة ستسمي موت اليهود "مصرعاً" وموت الفلسطينيين "استشهاداً". ستصف العراقيين بأنّهم "لقوا حتفهم"، وستصف السعوديين بأنّهم " من يسمون إرهابيين". ولو كنت يا قارئي أمريكيّاً، أو إسرائيليّاً فستسمي البعض أبرياء قتلوا على يد إرهابيين، والبعض الآخر إرهابيين قُتِلوا في عملية لحمايتنا.
أتنزع عني صفة العقل والحكمة يا عزيزي القارئ إن قلت لك إنني أرى أنّ هذا هراء؟ إنني أرى هذا غياباً للعقل ما بعده غياب؟ أنا لا أنفي عن البعض صفة الاستشهاد ولا أنفي عن غيرهم تهمة الإجرام. لكن، الموت هو الموت، والألم هو الألم، وأكثر الجنود لا يختارون قادتهم، ويعاقبون إن تهربوا منها، وبعض من نظنهم شهداء قد يكونوا عملاء، وبعض من نظنهم سفاحين قد يكونوا أبرياء، وكل هذا الكلام لا يتناسب مع نشرات الأنباء

.
أتريد أن تعرف شيئاً آخر يثير عجبي، وأعرف أن تعجبي هذا قد يؤكد لك "تطرفي"!! ما يثير عجبي هو، وأعود لقصة فيلم بحب السيما، أنّ كتاب جمعية أقباط الولايات المتحدة يدافعون عن الأقباط في أيّ وقت ودون استثناءات. وأنّ كتاب موقع إسلام.كوم يهاجمون الأمريكان على طول الخط، وأن التيار الإسلامي في مصر يرى أقباط المهجر عملاء دائماً، وأنّ اليساريين لن يتنازلوا أبداً عن فرصة للنيل من المجموعات السابقة جميعاً. أترى هذا طبيعيّاً؟ أنا أراه عجيباً كلّ العجب! إنّ الطفل الرضيع حين يصل إلى الصبا يبدأ في إدراك حقيقة أنّ والديه قد يخطئان أحياناً، وأن المدرس في الفصل قد يكون على حق أكثر من الوالد في البيت. فلماذا يجد البالغون الناضجون صعوبة في مناصرة اليمين تارة واليسار تارة أخرى؟
أمن العسير أن أقول إن خبراً على شبكة الجزيرة غير دقيق، والتعليق عليه مستفز، لكن خبراً آخر علقوا عليه بجدارة؟ أو أنّه رغم تسرّع موقع أقباط المهجر في حكمه على موضوع فيلم حب السيما، إلاّ أنّه على حقّ في التصدي لقضيّة بناء الكنائس؟
الأسوأ من هذا، لماذا لا يدافع موقع الأقباط عن حقوق المسلمين المهضومة في الصين مثلاً، أو حقوق سكان استراليا الأصليين المهدرة بالحمية نفسها التي يدافع بها عمّا يراه حقوق الأقباط المهدرة؟
ولماذا يُفترض منّي، أنا المنتمي إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أن يكون همي الأول هو حقوق الأقباط الأرثوذكس، وليس حقوق الأرمن الكاثوليك في مصر، أو التفرقة ضد العرب الدروز في إسرائيل؟
في هذا الأمر أرى عجباً، ويراه حكماء هذا الدهر "طبيعيّاً".
لكنّني أذكر أنّ يسوع المسيح، عيسى ابن مريم، قد قال:

"لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ." إنجيل متى5: 46-48

2 "وَسَّع مِن وِشّ العُقَلاء"

2) أحمق واحد يكفي

بدأتُ سلسلة مكاتيبي في تلك اليوميّات المسماة "بلوج" (بتسكين الباء وتخفيف مد الواو أو تحويله ضمّة)، بالإنجليزيّة
Blog = Web log
بدأتُها بتحسري على غياب ما أظنه العقل والعقلانية، الحكمة والموضوعيّة، النضج والرزانة.
ولا أستطيع أن أمنع نفسي من التوقف لتذكر قصّة، قرأها عليّ صديقي "هاني وجيه" منذ أكثر من عشرة أعوام، وللأسف لا أعرف من كاتبها وما جنسيّته!

تقول القصّة، وعنوانها "أحمق واحد يكفي"، إنّه في الأزمنة القديمة كانت أماني البشر وأحلامهم تتحقق، ولذلك كانوا يعيشون في سعادة ورضا. لم تكُن توجد أمنيّةٌ واحدة لا تتحقق، فمن يطلب مالاً يناله، ومن يطلب غذاءً يحظى به، ومن يتمنى السعادة ينعم بها. إلاّ أن تلك القرية السعيدة في تلك الأزمنة التليدة قد ابتُليِت بأحمق واحد؛ وما كان أحد يظن أن أحمقَ واحداً يقدر على تكدير سعادة القرية، رغم أنّه –بلا شك— سوف يتمنى أمانيَ حمقاء وسوف تتحقق أمانيه الحمقاء. ولكن ما لضرر في ذلك؟ لينعم الأحمق بحماقته.
هكذا سارت الأمور في سعادة، حتّى جاء يوم مشهود فكّر فيه الأحمق، وأعمل كلّ جهده ليأتي بأمنيّة لا تفوقها أخرى في الحماقة: فكان أن قال: "أتمنى ألاّ تتحقق أمنية بعد اليوم". آآآآه!!
والقارئ يعلم ويتصّور ماذا حدث؟

لا تتعجب عزيزي القارئ، لا أحد منّا بريء من هذه الطامة، ففي داخل كلّ منّا جزء أحمق قد أفسد علينا نعماً كثيرة، وكلّ منّا يستطيع أن يجد أنّه فعل بنفسه وبغيره فعل هذا الأحمق. بل هذه القصّة ترمز أيضاً لحال البشر، وتشابه مفهوم الخطيئة الأصلية في العقيدة المسيحيّة: "كان آدم وحوّاء ينعمان بالجنّة، حتّى ارتكبا فعلاً أخرجهما منها. وورث عنهما جميع بني آدم جزءاً من الحماقة، طبيعةً خاطئة تفرق الجماعات وتفسد البريء من اللذات". وأنا اليوم بالذات، أشعر أن تلك الحماقة تتفشى أكثر وأكثر، تفشي النار في الهشيم.. تفشي الجراثيم في جسد المريض.. تفشي الخطيئة في بني آدم.. تفشي الزوان في حقل القمح.

(الزوان نبات متسلق يفسد بعض المحاصيل، انظر إنجيل متى 13: 24-30)

1 "وَسَّع مِن وِشّ العُقَلاء"

1) من العنعنات ما قتل!

لا أدري لماذا يتزايد لديّ ذلك الشعور أنّ من حولي قد فقدوا عقولهم، أو بمعنى أدق: فقدوا العقلانيّة والمنطقيّة، بل والحكمة والنضج. وكما يتضّح للقارئ الفطن من العبارة السابقة ، فبما أنني استخدمتُ الفعل "فقد" في الزمن الماضي، فأنا أعني أنّ "من حولي" كانوا يتمتعون بقدر من العقلانيّة والحكمة والنضج، ثم فقدوها. وهذا الزعم لا أستطيع تأكيده، لكنني أستطيع تأكيد شعوري المتزايد بأن من يكتبون على صفحات الإنترنت والجرائد الورقية، ومن يتحدثون من المنابر الدينيّة والسياسية قد صاروا أقل حكمةً وعقلانيّةً ونضجاً من ذي قبل؛ وربما تكون الحقيقة هي أنّهم كانوا دائماً فاقدين تلك الصفات الحميدة، لكنّ "خلقهم قد ضاق" فلم يعودوا يتجمّلون بها. وبالطبع سأُعرِّف –بعد لحظات— ما أقصده بالعقلانيّة وأخواتها من المصطلحات التي أستخدمها بكثرة في هذا المكتوب!
أظنّ أنّ القارئ الفطِن أيضاً قد بدأ يفكِّر في أمرين، أوّلهما مثير للعداوة وثانيهما مثير للشفقة. أمّا ما قد يثير عداوة قارئي فهو تخوفّه من كوني أضعه ضمن قائمة من فقدوا العقل أو العقلانيّة، خاصةً إِنْ ذكرتُ في ما يلي أيّ مثال على سلوك لا عقلاني، وكان –لسوء حظي— ذلك سلوكاً اعتاد قارئي عليه. لا أستطيع تفادي تلك الخطيئة، وأيّة خطيئة يسقط فيها كاتب "عاقل" أكبر من أن يخسر "زبونه" القارئ؟ ولكن أنّى لي بتفادي إغضاب القراء إن كنت لا أعرفهم؟! وأمّا ما قد يثير شفقة قارئي وربما ازدراءه، فهو السؤال التلقائي الذي سيراوده حين يسمع من يقول: "لماذا فقد من حولي عقولهم؟"؛ وبالطبع سيبتسم السامع ويغمز: من الذي فقد عقله بالضبط، أنت أم من حولك؟



لا شكّ أنني فقد نصف قرّائي بسبب هذه المقدمة الطويلة المملة رغم أنني أقاوم الإطالة باستماتة، إذ تغلبني أفكار غير مروضة يكتظ بها رأسي، وتتسابق في الخروج من محبسها الذي تراكمت فيها قرابة العامين.
كم من مرّةٍ أردت أن أسطرها في كلمات على الورق (أو على الشاشات)، وكم منعني الانشغال أو الشعور بعدم الجدوى عنها. لكن، ويا للعجب، لم تخمُد تلك الفورات الدافقة، ولم تُروّض تلك الفِكَر المارقة! إنّ ما أقرؤه وأسمعه كل يوم يغذي نيرانها، والعجيب أن الأفكار الحبيسة لأكثر من عام تخرج بالحيوية نفسها التي تخرج بها أفكار الأمس القريب.

بعد هذه الدفعة الأولى من شبه الثرثرة، لأخطوَنّ الآن إلى الوضوح الشديد، فالغموض هو الخطيئة الثانية التي يرتكبها كاتب بحق قرّائه بعد خطيئة معاداتهم!
القصّة هي أنّ أوّل مرّة انتابتني فَورة الرغبة في الكتابة كانت منذ ما يقرب من عامين، وكان المؤثر المباشر هو رسالة إلكترونيّة تفشت في الإنترنت تفشي النار في الهشيم، وكانت تحمل تعليقات متعددة تهاجم الكاتب و"المحاور" المصري مفيد فوزي. كان عُنوان الرسالة "أتريدها فتنة يا مفيد يا فوزي؟" وكانت نبرتُها غاضبة تصل إلى حد التهديد من موقع القوّة، وكان محتواها هجوماً على ما نُسِب لمفيد فوزي من هجوم على عمرو خالد. وأنا، والحق يُقال، لم أكن أعرف في ذلك الوقت أيّ شيء عن عمرو خالد، ولا ما يقوله، ولم أكن قد قرأت أو سمعت ما قاله مفيد فوزي عن عمرو خالد. كل ما قرأته كان لكاتب لا أذكر اسمه، نقل قولاًُ عن مفيد فوزي، أو على الأرجح قولاً عن شخص سمع "مفيداً".
لكنني شعرت أنّ تلك الرسالة الإلكترونيّة غاضبة، وشعرتُ أنّها مثيرة للمشاكل، وشعرت أنّها قد تكون غير دقيقة، وأنّها قد تكون منقولة بشكل خاطئ مملوء بسوء الفهم المشوب بسوء النيّة. وكتبتُ في رأسي مقالاً، وهممتُ عِدّة مرات بإرساله، لكنني لم أفعل شيئاً غالباً لضيق الوقت.
لاحظ أنّن كررتُ لفظة "شعرتُ" عدّة مرّات في المقطع السابق، وهذا الشعور هو نفسه الذي استهللتُ به هذا المكتوب الطويل: إنّه الشعور بعدم الراحة النابع من الشعور بالقلق النابع من الشعور المتعب بالشك في نوايا الشخص الذي كتب هذه الرسالة، والذي لا شك أنني أحترمه لدرجة أنني أعطيته وقتاً وانتباهاً، بل أكثر من ذلك، منحته ما علّمني إيّاه أهل ومربيّ: الإصغاء المحايد: أصغيت لذلك الكاتب باحترام، وبلا أفكار مسبقة. ماذا أعني بالشك في النوايا؟ أعني أنني تساءلت بصدق وأمانة، لماذا يكتب هكذا؟ ما دافعه؟ إنّه غاضب، لا شك! إنّه هجوميّ، لا شكّ! لكن، ما دافعه؟ ماذا يحركه؟ لماذا يكتب في وقت غضبه؟ ولماذا ينشر ما كتبه وقت غضبه؟ ولماذا، وهو الأدهى، لم يتحقق مما نسبه للمحاور مفيد فوزي، والذي أنكره مفيد نفسه متذرعاً بأنّ الصحافيّ الذي نشر ذاك الخبر قد أساء التعبير. والله أعلم بما قاله مفيد وبنوايا الجميع، لكن السؤال الرئيسيّ هو السؤال الذي بدأت به: أين العقل والعقلانيّة؟ أين النضج والحكمة؟

لا بدّ أن الوقت قد حان إذن لأتساءل مع القراء: ما هو العقل والعقلانيّة؟
إنّ كلمة فلان "عاقل" لها عدّة معانٍ، وأنا—بصفتي مصرياً ابن مصري تربيت في عاصمة مصر (القاهرة)— أفهم هذه الكلمة بعدّة طرق. فأنا بالنسبة لوالديّ ومعلميّ عاقل حين "أسمع الكلام" وأفعل ما يتوقعونه، فلا أدخل مثلاً كليّة الفنون الجميلة إن كان مجموعي يؤهلني للطب أو الهندسة؛ وأنا بالنسبة للحكومة عاقل طالما سرت قريباً من الحائط ولم أُثِر الشغب، وحتى إن عبّرت عن رأيي، فأنا عاقل إن عبّرت عنه بأدب، بعيداً عن أيّ جهات أجنبيّة أو قوى هدّامة بالمجتمع، كالاشتراكيين والشيوعيين والإسلاميين والليبراليين والمدافعين عن حقوق الإنسان. وأنا عاقل بالنسبة للمجتمع المحيط بي إن كان هدفي في الحياة هو العيش الكريم وكسب القدر الوفير من المال، إن استطعت لذلك سبيلا، مثلاً عن طريق إعطاء دروس خصوصيّة كما اقترح عليّ الكثير من المخلصين؛ لكنني في الجامعة –حيثُ أعمل معيداً— أكون عاقلاً إن لم أتدخل في ما يعنيني، و—بالطبع— إن لم أزج بنفسي في مستنقع الدروس الخصوصيّة.
أيّها "العقل"، كم من الجرائم تُرتكب باسمك؟ أليس كذلك؟
لكن ثقتي في قارئي تؤكد لي أنّه يعلم أنّني لا أريد أن أكون "عاقلاً" بهذا المعنى، معنى السباحة مع التيّار أو مجاراة النزعات السائدة في المُجتمع. في الوقت نفسه، أنا أرى أنّه ليس من العقل ولا الحكمة فعل عكس ذلك. إنّ ما أقصده بكلمتي العقل والعقلانيّة بالتحديد، هو التعريف القديم لهذه الألفاظ الخالدة: القدرة على استخدام العقل في الحكم على الأمور بموضوعيّة وحياد، حتّى في أحلك الأوقات أو في تلك الأوقات التي تتأجج فيها المشاعر، وتبلغ القلوب الحناجر.
كان هذا تعريفي للـ"عقلاء" والـ"عقل" الذي هو في لغة العرب "زينة"؛ أما بالحكمة والرزانة والنضج فأعني تلك الخصال التي إذا امتلكها ً فرد في أيّة جماعة، اشتهر بهما، وتسابق أفراد تلك الجماعة إليه كلما شبّ بينهم خلاف أو اختلاف –والعياذُ بالله من أيّهما. هذا الفرد الحكيم الناضج عادةً ما يقدر على امتصاص غضب المختلفين، ومحاولة تهدئة الأجواء وإيجاد الحلّ الوسط. وأنا أذكر أننّي دائماً ما كنتُ أجد شخصاً كهذا حولي، وأذكر براعة هذه النوعية من أصحاب الحكمة في احتواء الأزمات وتهدئة الأمور وكسب الاحترام، ولو عرّضهم هذا للهجوم أحياناً والاتهام بالـ"دبلوماسيّة" والـ"ضعف"، وقانا الله من كليهما!
لماذا إذن بدأتُ مقالي بالتخوّف من غياب تلك الصفات الحميدة التي لا غنى عنها في أوقات الغضب والتوتر؟

بدأتُ بهذا اليوم –الرابع عشر من يوليو 2004— إثر قراءتي للمقال تلو المقال عن ذلك الفيلم الذي لم أره، لغيابي عن أرض الكنانة: "أنا بحب السيما".
ذلك الفيلم الذي لم أرَه، سمعت عنه من أشخاصٍ شاهدوه، وقرأتُ عنه من كتّاب شاهدوه، ثم قرأت ما كتبه عنه كتّاب لم يشاهدوه، وقرأت عن غضب وصل إلى حد التظاهر والدعوات القضائيّة لعدّة مواطنين، يبدو أنّهم لم يشاهدوه، لأنّهم يقاطعونه وينادون بمقاطعته.
إنّني بالتأكيد سوف أعلق على ما قرأت وما سمعت في مكتوبٍ تالٍ، لكنّني أريد أن أعلق الآن على تلك الـ"عنعنات" القاتلة. قاسم مشترك بين رسالة الغضب على مفيد فوزي ومقالات الغضب على فيلم هاني وأسامة فوزي، هو غضب الكتاب الذين لا يكبحونه، بل يشعلونه ويلقون به للآخرين، والأمر المخيف هو أنّ أحداً منهم لم يتّصل مباشرة بأيّ من أبناء فوزي! (مفيد في الحالة الأولى، وهاني وأسامة في الحالة الثانية، وهم بالطبع ليسوا أشقاء). لم يتحقق المدعون من نوايا من يتهمونهم ودوافعهم، ولم يكترثوا بالتماس الأعذار لهم، بل هاجوا وماجوا وهاجموا على الملأ. ولأنّ جميع الموضوعات السابقة تتعلق بالدين، الذي يشارك الشرف والمال في كونهم الأسباب الرئيسيّة للصراعات في العالم، فهذه الموضوعات لها حساسيّة خاصّة؛ فالإثارة بلا تحقق في تلك المجالات قد تتسبب في أضرار لا يمكن إصلاحها. وهنا سوف يتساءل العقلاء الصغار—إن وجدوا: "أين العقلاء الكبار ليوقفوا تلك النيران؟"، وهنا أيضاً سوف يرِد عنوان مقالي المنقول عن إحدى أغاني إسماعيل ياسين: "وسّع من وش العقلاء"! لقد جاء العُقلاء وكنّا نظنهم سيكحلونها، فعموها. جاء من نظنهم عقلاء ليطفئوا النيران، فألقوا عليها وقوداً. ليت العقلاء الكبار تركوها للصغار، ربما تصرفوا بحكمة تفوق "أصحاب الحكمة". أما قال السيد المسيح: " لأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ" إنجيل لوقا 16: 8
أعود مرّة أخيرة إلى ما بدأت به مكتوبي الطويل، إنّ ما دفعني دفعاً هو شعوري بانقراض الـ"عقلاء"، وخفوت صوت الحكماء، بكل ما يعنيه هذا من غياب الموضوعيّة والحياد، خاصّةً بالطبع لدى متابعتي للأخبار المصريّة. لكنني لا أخُصّ بلدي المحبوب المسكين وحده بهذا الاتّهام الخطير، بل إنّ ما يثير أسفي ويزيد من إحباطي هو أنّ هؤلاء الذين يسمون أنفسهم (وربما يظنون أنفسهم) دعاة الحريّة وحاملي مشعل قيادة "العالم الحر" قد سقطوا –سهواً أو عمداً أو استهبالاً— في هوة غياب العقلانية والحكمة. ولا عجب إذن في أن حماقة القليلين تسير بالعالم إلى طريق الهاوية، ولا يخفى على القارئ أنني أتحدث عن الحروب والمجاعات والمآسي التي تكتظ بها الأخبار اليوميّة، طاردةً كلّ الأخبار الإيجابيّة المثيرة للأمل.
وهنا أتوقف لأحكي قصّة... فإلى حديث الحماقة!!
14 يوليو ‏2004‏

eXTReMe Tracker