مذبحة القلعة الثانية
مذبحة القلعة* الثانية
سيناريو من الخيال المُستقبليّ
سيناريو من الخيال المُستقبليّ
تنويه واجب: (التنويه التالي بديهيّ، وللأسف صار ضروريّاً ومألوفاً في ساحات الإبداع قصصاً وأفلاماً): هذا السيناريو من الخيال المستقبليّ، وأيّ تشابه بين القصّة وبين أحداث ستقع في المُستقبل سيكون مُصادَفةً بحتة فلا هو ادّعاء للتنبّؤ ولا هو تآمر من كاتب السطور،لذا وجب التنويه.
يدخل "حاء" عالم البلوجة.
حاء مدوِّنٌ فوق العادة. لديه معلومات غزيرة وجرأة سياسيّة يُحسد عليها. حاء ينتقد جميع السادة الوزراء ورؤساء الوزراء، بل أكثر من ذلك، ينشر نقداً موضوعيّاً تفصيليّاً للسيّد الرئيس شخصيّاً.
لماذا يا حاء؟ تساءل المدوّنون الآخرون؟ دعنا من السياسة العُليا، نحنُ نحبّ النشر عن الصحافة والفكر وآخر الوجبات الدسمة.
حاء يجيب بعنتريّة: إنّنا المستقبل. المستقبل للتدوين. سوف تُكتب أسماؤنا (المُستعارة؟) في سجلّ تاريخ الوطن جنباً إلى جنب مع مصطفى كامل وسعد زغلول وعبد الناصر ومحمود الخطيب. سوف تفوق شهرتنا شهرة الصحفيين، وسوف يعرف أبناء القرن القادم ماذا فعل المبلوجون من أجل الوطن.
المدوّنون المصريّون يبكون تأثّراً. يقسمون ألاّ يمنعهم عن حبّ الوطن مانع. يتعلّمون من حاء حرفة النقد السياسيّ اللاذع. يملأون مدوّناتهم بكلّ ما تحفل به قلوبهم الشابّة من صدق وحماس وإخلاص وحبّ للوطن والمواطنين.
الصداقة تتوطّد مع حاء، تبادُل رسائل، مكالمات هاتفيّة سلكيّة ولا سلكيّة، تبادل صُوَر، (رغم أنّ حاءً يشجّع المدوّنين على الحرص بالطبع وعدم وضع صورهم في المدّونات تلافياً لأيّة مضايقات).
حاء يتمنّى رؤية جميع المدوّنين؛ فهو يحبّهم ويحبّونه، وهو أيضاً يرشدهم ويعلّمهم. فماذا عن لقاء كبير سريّ، يجمع المدوّنين المصريّين في وليمة. حاء يقترح مطعماً إيطاليّاً فاخراً في أرض الجولف بمصر الجديدة، لكنّ المدوّنين المصريّين-لوطنيّتهم، وميزانيّاتهم، ولوجود بعضهم في الخارج واشتياقهم للطعام المصريّ-يتردّدون. يقترحون في المُقابِل محلّ كشريّ، لكنّ حاء يصرّ أنّه سيدفع للجميع، فهذه لحظة تمنّاها كثيراً، ويقترح مَسْمَطاً في القلعة (قمّة الفولكلور).
تحين ساعةُ اللقاء. القلوبُ تنبُض تأثّراً.
العرق يتصبّب. المدوِّنات تلمع في عيونهنّ دموعٌ متلألئة، والمدوِّنون يتماسكون فقط لأنّ الرجال لا يبكون. يلتقي الجميع من كلّ حَدْبٍ وصَوْب.
منهم من استقلّ قطاراً من الشمال أو الجنوب، ومنهم من قطع عشرين ساعةً بالطائرة من الشرق أوالغرب.
يتوافدون على "مَسمَط العائلات" بذلك الشارع الضيّق من شوارع منطقة القلعة.
أين حاء؟ أين حاء؟
يدعوهم المعلّم أن يهمّوا بالجلوس، فالكوارع الشهيّة والفشّة والمُمبار والفتّة وطواجن لسان العُصفور، تنتظرهم.
ويُغلَق الباب.
وينهال المعلّم وصبيانه عليهم بالسواطير.
يأتي حاء باكياً لفرز الكوارع والعظام، وإعداد الشوربة الطازجة تهيداً لغليها وتجفيفها وتصنيع مرقة دجاج "بلوجّر" بالتدوين والشفاء!
يَفتَح مسمط العائلات ثلاثة فروع: في جاردن سيتي، أرض الجولف، وفي سموحة بالأسكنديّة، وصاحبه أيضاً شريك في مصنع مرقة بلوجّر الغذاء الرئيسيّ للمحتجزين السياسيّين في مصر.
تمّت
خارج السياق: هل سيقبل المدّونون المصريّون دعوتي لنلتقي على العشاء حين أعود لمصر؟ ملحوظة: كلٌّ سيدفع لنفسه. ـ
هامش
ـ
* مذبحة القلعة معروفة في التاريخ المصريّ القديم، وفيها دعا محمّد على (حاكم مصر الألبانيّ الأصل والذي يُعدّ مُؤَسِّس مصر الحديثة) خصومه السياسيّين إلى وليمة كبيرة في قلعة الجبل بالقاهرة، وتخلّص منهم. رأينا مثل هذه الحوادث أيضاً في التاريخ الحديث بشكل أو بآخر، أشهرها فيلم الأب الروحيّ لكوپولا.
ـ





