"BEYOND NORMAL" BACKUP

A backup site for "BEYOND NORMAL" Blog.
LAST UPDATED: 01 Jan 2005

الأحد، يناير ٠٩، ٢٠٠٥

مذبحة القلعة الثانية

مذبحة القلعة* الثانية
سيناريو من الخيال المُستقبليّ

تنويه واجب: (التنويه التالي بديهيّ، وللأسف صار ضروريّاً ومألوفاً في ساحات الإبداع قصصاً وأفلاماً): هذا السيناريو من الخيال المستقبليّ، وأيّ تشابه بين القصّة وبين أحداث ستقع في المُستقبل سيكون مُصادَفةً بحتة فلا هو ادّعاء للتنبّؤ ولا هو تآمر من كاتب السطور،لذا وجب التنويه.

يدخل "حاء" عالم البلوجة.
حاء مدوِّنٌ فوق العادة. لديه معلومات غزيرة وجرأة سياسيّة يُحسد عليها. حاء ينتقد جميع السادة الوزراء ورؤساء الوزراء، بل أكثر من ذلك، ينشر نقداً موضوعيّاً تفصيليّاً للسيّد الرئيس شخصيّاً.
لماذا يا حاء؟ تساءل المدوّنون الآخرون؟ دعنا من السياسة العُليا، نحنُ نحبّ النشر عن الصحافة والفكر وآخر الوجبات الدسمة.
حاء يجيب بعنتريّة: إنّنا المستقبل. المستقبل للتدوين. سوف تُكتب أسماؤنا (المُستعارة؟) في سجلّ تاريخ الوطن جنباً إلى جنب مع مصطفى كامل وسعد زغلول وعبد الناصر ومحمود الخطيب. سوف تفوق شهرتنا شهرة الصحفيين، وسوف يعرف أبناء القرن القادم ماذا فعل المبلوجون من أجل الوطن.
المدوّنون المصريّون يبكون تأثّراً. يقسمون ألاّ يمنعهم عن حبّ الوطن مانع. يتعلّمون من حاء حرفة النقد السياسيّ اللاذع. يملأون مدوّناتهم بكلّ ما تحفل به قلوبهم الشابّة من صدق وحماس وإخلاص وحبّ للوطن والمواطنين.
الصداقة تتوطّد مع حاء، تبادُل رسائل، مكالمات هاتفيّة سلكيّة ولا سلكيّة، تبادل صُوَر، (رغم أنّ حاءً يشجّع المدوّنين على الحرص بالطبع وعدم وضع صورهم في المدّونات تلافياً لأيّة مضايقات).
حاء يتمنّى رؤية جميع المدوّنين؛ فهو يحبّهم ويحبّونه، وهو أيضاً يرشدهم ويعلّمهم. فماذا عن لقاء كبير سريّ، يجمع المدوّنين المصريّين في وليمة. حاء يقترح مطعماً إيطاليّاً فاخراً في أرض الجولف بمصر الجديدة، لكنّ المدوّنين المصريّين-لوطنيّتهم، وميزانيّاتهم، ولوجود بعضهم في الخارج واشتياقهم للطعام المصريّ-يتردّدون. يقترحون في المُقابِل محلّ كشريّ، لكنّ حاء يصرّ أنّه سيدفع للجميع، فهذه لحظة تمنّاها كثيراً، ويقترح مَسْمَطاً في القلعة (قمّة الفولكلور).

تحين ساعةُ اللقاء. القلوبُ تنبُض تأثّراً.
العرق يتصبّب. المدوِّنات تلمع في عيونهنّ دموعٌ متلألئة، والمدوِّنون يتماسكون فقط لأنّ الرجال لا يبكون. يلتقي الجميع من كلّ حَدْبٍ وصَوْب.
منهم من استقلّ قطاراً من الشمال أو الجنوب، ومنهم من قطع عشرين ساعةً بالطائرة من الشرق أوالغرب.
يتوافدون على "مَسمَط العائلات" بذلك الشارع الضيّق من شوارع منطقة القلعة.
أين حاء؟ أين حاء؟
يدعوهم المعلّم أن يهمّوا بالجلوس، فالكوارع الشهيّة والفشّة والمُمبار والفتّة وطواجن لسان العُصفور، تنتظرهم.
ويُغلَق الباب.
وينهال المعلّم وصبيانه عليهم بالسواطير.
يأتي حاء باكياً لفرز الكوارع والعظام، وإعداد الشوربة الطازجة تهيداً لغليها وتجفيفها وتصنيع مرقة دجاج "بلوجّر" بالتدوين والشفاء!
يَفتَح مسمط العائلات ثلاثة فروع: في جاردن سيتي، أرض الجولف، وفي سموحة بالأسكنديّة، وصاحبه أيضاً شريك في مصنع مرقة بلوجّر الغذاء الرئيسيّ للمحتجزين السياسيّين في مصر.
تمّت

خارج السياق: هل سيقبل المدّونون المصريّون دعوتي لنلتقي على العشاء حين أعود لمصر؟ ملحوظة: كلٌّ سيدفع لنفسه. ـ



هامش
ـ
* مذبحة القلعة معروفة في التاريخ المصريّ القديم، وفيها دعا محمّد على (حاكم مصر الألبانيّ الأصل والذي يُعدّ مُؤَسِّس مصر الحديثة) خصومه السياسيّين إلى وليمة كبيرة في قلعة الجبل بالقاهرة، وتخلّص منهم. رأينا مثل هذه الحوادث أيضاً في التاريخ الحديث بشكل أو بآخر، أشهرها فيلم الأب الروحيّ لكوپولا.
ـ

مالكُم وما للناس؟

أقرأ مقالاً جيّداً * في موقع "إسلام أونلاين" على الإنترنت، يناقش سؤالاً لشاب حول ضعفه أمام بعض الصَُوَر العارية المثيرة للغرائز التي يبُثُّها العديد من مواقع الإنترنت. سؤال صادق يعبّر عن صراع إنسانيّ طبيعيّ. سرّ جودة المقال أنّه لا يدين السائل ولا يكبُته أو يعنّفه، بل يقرّ بصعوبة مقاومة تلك المواقع إلخ، ويقترح اقتراحات عمليّة جيّدة فعلاً (تدل على خبرة وتفهّم للكاتب)، ولايقتصر على مجرّد تقديم حلول نظريّة تعجيزيّة.
ما لا أفهمُه هو أنّ الكاتب المسلم الذي يردّ على السائل المسلم ينتهز الفُرصة لانتقاد المسيحيّة واليهوديّة**(هكذا! في عبوّة واحدة يجمع المذاهب والتيّارات المتعددة في تلكما الديانتين القديمَتَيْن) بسبب نظرتهما السلبيّة للجسد والجنس على عكس الإسلام المُعتَدِل الذي-بحسب رؤية الكاتب-لا يرى صراعاً بَيْنَ الجسد والروح بل يقدّم رؤية شاملة.
بارك الله فيك يا أخي، تُساعِد الشباب على فهم دينه وعلى مقاومة ما يؤثّر لا في آخرته فحسب، بل في نموّه ونضجه النفسيّ العصبيّ . ما الذي حَشَر المسيحيّة واليهوديّة هُنا؟ تحشُر تفسيرَك الخاص للديانتين أو تفسير طائفة بعينها أو حقبة مظلمة معيّنة أو إساءة فهم من البعض لكلمتي الجسد والروح في مَوْضِعٍ من مقالك بعيداً عن السياق حشراً لا داعيَ له. أنتَ حرّ طبعاً، لكن:
مالك وما للناس؟

في أماكِن عديدة أيضاً، بعضُ العقلانيّين المجَدِّدين المهتمّين بنقد التٍُراث ينقُدون الخطاب الدينيّ المُعاصر، وينتقدون رؤيا معيّنة ضيّقة للدين الإسلاميّ في شكله الحاليّ، ويهاجِمون بعض الشيوخ أو الدُعاة واصفين إيّاهم بالـ"كهنوتيّة" والـ"رهبانيّة" مع أنّ لا كهانة ولا رهبانيّة في الإسلام. يا سيّدي، جدّد في دينك ما تشاء، انقُد الخطاب الذي تراه لا عقلانيّ، لكِن لماذا تحشُر الرهبانيّة والكهانة، وتصفهم بما ليس فيهم.
مالك وما للناس؟

في الجانب الآخر من الخريطة الجغرافيّة والدينيّة، قد يتحدّث واعِظٌ تليفزيونيّ مهاجِماً الزواج المدنيّ، ومؤكِّداً على أهميّة الزواج في الكنيسة، ثم يعدّد مزايا الزواج في المسيحيّة منتقداً طائفة المورمونيّين الذين يبيحون تعدّد الزوجات، أو المسلمين الذين يسمحون بالزواج بأربعة. يا سيّدي الفاضل، دافع عن الزواج المسيحيّ قدرَ ما تستطيع، عدّد مزاياه. لكِن، هذا لا يُعطيك الحقّ أن تنال من شرائع الآخرين-بحسب تفسيرك الخاصّ- خارج السياق الذي يُحِبّون أن يقدّموه هم، خاصّةً
أنّه من النادر أن يشاهد برنامجك مورمونيّون أو مسلمون، وبالتالي فلن تُتاح لهم فرصة التعقيب والإيضاح.
مالك وما للناس؟

وهكذا...
هذا الواعِظ يقول: "إحنا مش زيّ المسلمين اللي بيقولوا ...، لكنّنا بنقول...."
وذاك الرابَّاي (المعلم اليهوديّ) يقول: "بينما يغرق المسيحيّون في خُرافة ...، نعيش نحنُ في طهارة بسبب ...."
والعلاّمة الفذ داعية الإلحاد يتندّر: "علينا التصرّف السريع أمام تلك الكوارث الإنسانيّة بدلاً من التساؤل: لماذا حدثت وما معناها! يعجز الدين دائماً عن إجابة تلك الأسئلة الصَعبة، ويترُك مُريديه مخدّرين مُدَغدَغين عاطفيّاً، منشغلين عن دُنياهم بآخرتهم، عاجزين عن تفسير الحوادث الجِسام إلاّ بإلقائها على قوّة خارجيّة عُظمى ...."
يا عباقِرةً في مجالاتِكم، يا خبراءً في دياناتكم، يا فلاسفةً في مدارسكُم، ما دام الأمر لا يتعلّق بمقارنة مباشرة،
مالكُم وماللناس؟

الثابت في مُعظَم هذه الأحاديث التي تثير امتعاضي هو أنّ المتحدّث دائماً ما يفسّر نصوصاً "حمّالة أوجه" يُقدّسها غيره ويجحدها هو أكثر التفسيرات سذاجةً وسطحيّةً، أو يختار من مفسّريها أغباهم وأبعدهم عن رأيه ليظهر التضاد المُفتعَل.
الثابت أيضاً في ردود أفعال المُشاهِدين أنّهم يحترفون سياسة "بَلع الزلط وتمنّي الغَلَط***" بحسب هويّة المُهاجِم والمُهاجَم!

كم من الظُلم أن يمثّلني أحد بطريقة غير التي أريد أن أُمَثّل بها؟
كم من الجهل أن يفسّر أحد كُتُبي بمنهج غير الذي يفسّر به كُتُبه؟
كم من العمى ألاّ أرى الظُلم والإجحاف إلاّ حين يُنَال ممّا أومن به أنا، أو الفكر الذي أعتنقه، أو الحزب الذي أتبعه؛ وأن أعجز عن رؤية الأمر نفسُه حين يكون المُهاجِم من حزبي وقطيعي وقافلتي.

يا عُقَلاء الدُنيا اتّحدوا.. قبل فوات الأوان!
ـ


ـ
* في حالة عدم فتح الرابط ، افتح المقال من الموقع المحلّي التاليّ (هذا الخيار غير متاح حالياً)ـ


** "الجنس في الإسلام، والميل إلى النساء، وحب شهوتهن، وما يتفرع عن هذا، ويتعلق به خاصاً بالجسد أو غيره ليست أموراً مستنكرة ولا مستقذرة نعتذر عنها، أو نخجل منها، أو نتورط فيما تورط فيه النصارى أو اليهود وغيرهم من تصورات منحرفة تعتبر الجنس دنساً، والجسد وشهواته ضد الروح وسموها ..عندنا في الإسلام الجنس والجسد، والشهوة والرغبة، طاقة ونعمة هي من الله-سبحانه وتعالى-هو خلقها وأودعها فينا، وقد رتب سبحانه كيف نستثمرها، ونستمتع بها."

*** يقول المثل الشعبيّ: "حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوّك يتمنّالك الغلط"
ـ

النظريّة والتَطبيق

صفحة من كِتاب لم يُكتَب:
الخلل في التطبيق والخلل في النظريّة

الموضوع: المسيحيّة والصليبيّة: رؤية نقديّة
المتحدّث: قسّ مسيحيّ
خلاصة الفكرة: رغم تعاليم المسيحيّة الواضِحة في التسامُح ومُعاداة الحَرب وعدم ترجّي ممالك أرضيّة بل سماويّة، وقعت الكنيسة في خطأ الحروب الصليبيّة على الشرق. هذا بالطبع كان خطأً اعترفت به الكنيسة الكاثوليكيّة الحديثة.
الخلل في التطبيق لا يعني الخلل في النظريّة

الموضوع: انحرافات الخلفاء بين الحقيقة والادّعاء
المتحدّث: داعية مُسلم
خُلاصة الفكرة: رغم حزم الإسلام ورفعة تشريعه الذي شمل كافّة أوجه الحياة وجعله صالحاً لحُكم أيّة دولة، ورغم المثال النادر الذي قدّمه الخلفاء الراشِدون للعدل في الحُكم، إلاّ أنّ بعض الخلفاء في القرون الوسطى انحرفوا عن التعاليم الأصيلة للإسلام، ووقعوا في ترف العيش مالئين حياتهم بالمظالم والانحرافات التي يُهاجهما-ظُلماً-العلمانيّون والجهلاء من المستشرقين مستندين إلى قصص أشبه بألف ليلة وليلة.
الخلل في التطبيق لا يعني الخلل في النظريّة

الموضوع: تهافت الشيوعيّة
المتحدّث: داعية مسلم وقسّ مسيحيّ
خُلاصة الفِكرة: رغم أنّ قراءة متسرّعة للفكر الماركسيّ قد تغرّر بالمثاليين السُذّج من الشباب الذين يُعانون من الفقر والظُلم، فيسقُطون في براثن الشيوعيّين، إلاّ أنّ هذا الفكر ذا الأهداف النبيلة (المساواة التي سبقت الأديان بالدعوة إليها) هو فكرٌ ضال كافر؛ والدليل أنّ الدُوَل الشيوعيّة جميعاً سقطت نتيجة الفساد والديكتاتوريّة ومحاولة قهر المجتمع.
عجزهم عن التطبيق يؤكّد فشل النظريّة!

ـ إشمعنى؟!

انتهت الصفحة المقطوعة من كِتاب لَم يُكتَب.

تعليق مُتَوَقّع: آه.. اظهر وبان يا حِرباء. إحنا من الأوّل قُلنا عليك شيوعي علماني برجوازي لاديني پراجماتي ليبرالي!
ـ

السبت، يناير ٠٨، ٢٠٠٥

الخيرُ في النّاسِ

الخيرُ في النّاسِ مصنوعٌ إذا جُبِروا
والشرُّ في الناسِ لا يفنى وإن قُبِروا
وأكثرُ النّــاسِ آلاتٌ تُحرِّكُهـــا
أصابِعُ الدّهرِ يَوْماً ثم تنكسِرُ
ـ(من "المواكِب" لجُبران خليل جبران)ـ

أعشق "جُبران"...
إنّه من الكُتّاب الذين وصلوا لأعلى مستويات الحِكمة والعُمق التي رأيتُها. وأعدُّ قصيدَتُه "المواكِب"-ومطلعُُها مُقتبس أعلاه-مَلحمةًَ حقيقيّة في وصف الحياة وما بها. ألا يقول البيت الأخير في مقطع القصيدة الأوّل:
فأفضلُ النّاسِ قِطعانٌ يسيرُ بها
صوتُ الرُعاةِ، ومَنْ لَمْ يمشِ يَندَثِرُ

وهذا خير تعبير عن حالة الهَرْوَلة المُزمِنة التي تمارسها القطعان البشريّة وتجعل عالمنا في حالة "طبيعيّة" (ضدّ سياسة هذه المدوّنة البَعْد-طبيعيّة!).
الأمر الوحيد الذي لا أستطيع أن أتّفق فيه مع مواكب جُبران هو زعمه أنّ "الخيرَ في الناس مصنوعٌ إذا جُبِروا". هي نظرة سَوداويّة قد يريحني اتّباعُها لكي أقول "مافيش فايدة. ملعونةٌ الدُنيا؛ فلأتركْ متاعَها ومتاعِبَها ولأهتمّْ بنفسي". لولا أنّ قلبي يقول لي غير ذلك.

جالت جميع هذه الأفكار بخاطري وأنا أقود سيّارتي في أحد شوارع ممفيس في يَومٍ بارد مطير، إذ رأيتُ مجموعة من النساء في العقد الخامس من عمرهنّ يحملن لافتات تشير إلى تجمّع للتضامُن مع ضحايا كارثة "تسونامي" الأخيرة والتبرُّع لهم.
ما الذي يجعل هؤلاء اللائي يعِِشنَ على بُعد آلاف الأميال من موقع الكارثة (وفي الأغلب لا يعرِفنَ أيّاً من الضحايا) يفعلن ذلك في يَوْمٍ مطير؟

تجدّدَت الفِكرةُ لديّ اليوم وأنا أعطي دولاراً لتلك الفتاة الصغيرة التي لا يزيد عُمرُها على خَمْسِ سَنَواتٍ وهي تسألني أن أتبرّع بدولار لضحايا تلك "الموجة الكبيرة التي قتلت القريبين من الشاطئ".
ـ

الخَيرُ في النّاسِ متدفِّقٌ إذا تُرِكوا في حالِهم
لكنّ التشريط الاجتماعيّ والتعصّب والتربية الخاطئة
قد يخنقون هذه الجذوة الإلهيّة بداخلهم

الأحد، يناير ٠٢، ٢٠٠٥

بشاير يناير


كما نوّهتُ، قمتُ بعمل تعديلات وتحسينات في المدوّنة وهيكلها (العظميّ)، الهدف منها تسهيل التصفّح للزوّار (خاصّةً الجُدُد منهم)، وكذلك تحسين طريقة أرشفة/فهرسة المكاتيب. قد يبدو للقارئ المُداوِم أنّ التغييرات طفيفة، لكنّها استغرقت منّي قُرابة العشرين ساعة على يَوْمَين! السبب في ذلك ليس جهلي بوسائل التكويد فحسب، بل لأنّ معظم ما عملت به كان "بِنيةً" تحتيّة للمدوّنة؛ فقد أنشأتُ مدوّنةً موازية احتياطيّة (باك أپ أو إستبن) لتلافي الكوارث، ومدوّنةً مختصرة سَهْلة التصفُّح، وثالثةً للفهرسة والأرشفة، ورابعةً للروابط، و خامسة ً للهوامش، ومدّونة أخيرة لتحوي هذه النوعيّة من المُلاحَظات (فيما بعد سأقصر الملاحظات بشأن التدوين عليها)!! كلّ هذا أعطاني أيضاً فُرصة لإعادة تصفّح ما كتبت وتصويب بعض الأخطاء، وإلغاء بعض ما لم يعُد لهُ معنى.

لم تكُن هذه "بشاير يناير" الوحيدة: فقد عُدتُ لعادةٍ قديمة كدتُ أن أفقدها (أدعو الله ألاّ تكون طفرة حماس) وهي اتّخاذ قرارات للعام الجديد، وعمل جداول لمراجعة يوميّة لهذه القرارات. بالطبع بينما كانت قرارات الماضي طموح ملأى بالطاقة (طبيعة المراهقة وما بعدها) كقراءة عدد من الكُتُب وتعلّم الدقّ على الآلة الكاتبة ولعب الرياضة والتدريبات الروحيّة اليوميّة إلخ، اتسّمت القرارات الحالية بسمات بداية مُنتصف العُمر: النوم مبكّراً (يعني قبل الفجر لو أمكن، إلاّ إن زَنَقَتْني مقالة!)، ومحاولة الأكل الصحيّ (يا حبّذا لو ثلاث وجبات يوميّاً-لا أكثر ولا أقلّ)، وذلك القرار الذي ما كُنتُ أتخيّله يوماً: إنقاص وزني! نعم! أنا الشهير بالنحافة، أحاول الآن التخلُّص من شيمة الثلاثين: الكِرش (وما أدراكُم ما الكِرش!)
أهم ما أبغي تحقيقه فعلاً هو الاهتمام بصحّتي (قبل فوات الأوان) ومراجة النفس يوميّاً (ليس بالمعنى الروحيّ فقط) لأنّني مللتُ السير بقوّة الاندفاع، حتّى إن كانت الدوافع قويّة وكافية.

ليحمِلْ يناير لنا جميع البشائر التي نرجوها.. وليكُن "عام البلوجّ" عاماً مُختلفاً!
ـ

الخميس، ديسمبر ٣٠، ٢٠٠٤

آخر كلمة في ٢٠٠٤: لا أعرف اسمي ! ـ

عندما بدأت هذه المدوّنة لم أكن أعلم ما حدود ما يمكنني أن أفعله باللغة العربيّة.
وحيث أنّ عنوان المدوّنة على الشبكة يجب أن يكون بالأحرف اللاتينيّة، فقد عبّرت عن اسم مدوّنتي بـ
Beyond Normal
واليوم، ومع تحسينات يناير، أتردّد كثيراً قبل نقل هذا العنوان إلى العربيّة...

تعجبني الأسماء الكثيرة التي أعطيت لي في المدوّنات الأخرى لدرجة أنّني أريد جمعها جميعاً في كلمة واحدة!

ـ غير طبيعي
ـ اللا طبيعي
ـ أكثر من الطبيعي
ـ وراء المألوف
- خارج المُتَعارَف

وقد أضيف إليها:
ـ فوق العادة
ـ بعد الطبيعي
ـ أبعد من المألوف
ـ ما بَعد المُعتاد

على العموم، حيث أنّني مازلتُ في مرحلة نقد المألوف، فسوف أرجئ تعريف ما بعد المألوف إلى حين ميسرة.
كلّ عام وأنتم أكثر من طبيعيّين!
ـ

طاسة.. أمّك رقّاصة

ـ قول طاسة
ـ طاسة
ـ أمّك رقّاصة.. ها ها ها ها

لعب عيال؟

ترنّ هذه الكلمات وغيرها من مخزون الماضي السحيق ويتردّد صداها في تجاويف دهاليز ذاكرتي المتشابكة. ويأتي هذا الرنين وذاك الصدى استجابةً لانشغالي بالقضيّة المزمنة التي تتبلور حول نواتها هذه المدوّنة: قضيّة الغوغائيّة والفوضى وهرولة البشر إلى التحزّب والتعصّب والقساوة بدلاً من تأنّيهم وتحلّيهم بالعقل والحكمة وسعة الصدر ورقّة القلب.

رحل بي بساط ريح ذاكرتي (النصف-عُمر) هذه المرّة إلى سنوات الطفولة، وتذكّرت تلك المراهَنات والمجادلات الرواقيّة (نسبة إلى أروقة مدرستي لا إلى الفلسفة الرواقيّة).

ما سرّ تلك الفرحة الطاغية التي تغمر صبيّاً في الثامنة من عمره حين يتمكّن من إيقاع زميله في الفصل في ذلك الفخّ اللغويّ السخيف، مستخدماً القافية للسخرية من إمّه؟

وعادةً ما كان الحوار الذي استهلَلْتُ به هذا المقال يتطوّر إلى:
ـ أمّك إنتَ اللي رقّاصة يا إبن الـ...
ـ بسّ إنت اللي قُلت طاسة
ـ طيّب قول إنتَ بقى طاسة
ـ ليه هو أنا عبيط زيّك
ـ طب أنا هاضربك
ـ إلخ...

يا ما جاب الولد لأهله!

تذكّرت هذا مستعيداً ذلك الدور النفسيّ والتربويّ المحوريّ الذي تلعبه المدرسة وما يحدُث فيها. ولم أُفلِت أنا-كطفل-بالطبع من هذا التأثير، فما أكثر ما عُدتُ إلى المنزل بباقة من الأعاجيب التي كانت تثير دهشة والديّ، وأحياناً ضحكهم، وأحياناً سخطهم بالطبع.
لا يعني هذا أنّني الملاك الفاضل، فلا شكّ أنّني شاركتُ أيضاً في صَدْم أهالي زملائي بشكل أو بآخر.

أتذكّر مثلاً تلك العادة التي اكتسبتُها نقلاً عن زميل لي علّمني أنّه يجب أن أهرش رأسي كلّما سمعت صوت سيّارة الإطفاء (ولم أبُحْ بهذا لأحد حتّى هذه اللحظة). فقد كان صديقي في الصفّ الأول الابتدائيّ يحكّ رأسه لاتّقاء خطر الحريق ودرء الفأل السيّء.

أتذكّر أيضاً تلك العادة الأخرى، ولا أعلم إن كان مصدرُها والديّ أم خيالي أم مؤثّر لا أذكره، إذ كُنتُ أعيشُ صراعاً يوميّاً بين الملاك عن يميني والشيطان عن يساري (وهذا سهلٌ تفسير مصدره). ما لا أستطيع تفسيره هو لماذا كُِنتُ أتمثّل الصراع أمامي إلى درجة أنّني أحياناً ما كُِنتُ أضرب كائناً خياليّاً عن يساري مُستخدماً يدي اليمنى.

وأخيراً، أتذكّر ذلك الأمر العجيب الذي تعلّمته حين ألقى شخصاً مُعاقاً في الطريق العام. فإن رأيتُ متسوّلاً مقطوع الساق، أو رجلاً على مقعده المتحرّك، أو فتاة فاقدةً عينَها، أو حتّى إنسان يعرج، كُنتُ أتمتم بتلك الكلمات: "الحمد لله يا رب أنّني لستُ مثله". لا يتملّكني الآن إلاّ الغضب والتقزّز حين أتذكّر ردّ الفعل هذا. أيغضب أحد على حمد الله؟ ليس الحمد هو المشكلة، لكنّ المشكلة هنا هو مزيج من المعتقدات الخاطئة التي سكنت بي وتأصّلت مع تأصّل ذلك السلوك: اعتبار الإعاقة البدنيّة (أو العقليّة) لعنةً من الله، واستخدام حمد الله وسيلة لاتّقاء الضرر، وربّما للتعالي على عباده الآخرين. لا يغفر لي كلّ هذا إلاّ طفولتي، وأحمد الله الآن أنّني لا أتذكّر من علّمني هذا حتّى لا ألومه.

ما هذا الذي نتربّى عليه في المجتمع؟ ما هذا الذي تناقلناه صبياناً في المدارس كتناقلنا أدوار البرد والحصبة والجديري!
ألا يُخرج هذا أجيالاً من العائشين في عالم لا علاقة له بالواقع، الرافضين الاختلاف، النابذين أخوتهم ذوي الظروف الخاصّة، المتعالين على ما لم يعتادوه.
هه! أظنّني أبالغ، ولكنّني لا أبالغ! الحماقة تسري في الناس سريان النار في الهشيم، ولتفاديها وتصويبها نحتاج لفيضان من الحكمة. فأنّى لنا بحكمة هذا مقدارها لمعالجة الحماقة المزمنة في مجتمعنا؟

انسف حمّامك القديم

أتذكّر الآن كم من الوقت استغرقني لكي أتنازل طواعيةً عن التعاليم الراسخة فيّ والنظرات المتعصّبة المنحازة الأحاديّة للديانات "السماويّة" الأخرى، للملحدين، للديانات الآسيويّة، للهندوسيّة، للأجانب، للجنس الآخر، للمثليين جنسيّاً... ثم للمرضى النفسيّين، للمعاقين ذهنياً، للمعاقين بدنيّاً، للمنحلين أخلاقيّاً!
كم من الوقت استغرقني ويستغرقني الآن للتخلي عن أفكاري المسبقة؟ للتعامل مع شخصٍ كشخص، لنبذ الجدال لمجرد الجدال، لعدم الرغبة في الفوز في كلّ مبارزة كلاميّة بل لفهم الآخر والإنصات له، للامتناع عن الاستفزار وتلقيح الكلام والسخرية من الآخر حتّى إن جعلت دمّي يبدوا خفيفاً.

وبعد كلّ هذا الكلام.. كيف أقاوم أن أسقط أحداً في فخٍّ كلاميّ جديد...

ـ طاسة.. أمّك رقاصة
ـ "باقرا".. مانت فعلاً بقرة
ـ "ما نَجَحش" .. عارف إنّك جحش
ـ لماذا ورد في ديانتكم أنّ كذا وكذا
ـ لو قِلت يمين سأقول يسار.. لو ملت يساراً سأميل يميناً.. وأنا وراءك والزمان طويل!
"هو فيه إيه"؟ الحياة ليست "خناقة" ليست "حداقة"

أما قال زعيم الأمّة سعد: مافيش فايدة؟

الأربعاء، ديسمبر ٢٩، ٢٠٠٤

من أوّل يناير

توطئة
ـ"هابطّل سجاير
وأكون إنسان جديد
من أوّل يناير
خلاص هاشيل حديد"ـ

لا أعرف لماذا اختار مدوّن (أو مُدَندِن) كلِمات أغاني(أو مواويل) شعبان عبد الرحيم هذا التسلسُل الغريب لأبياته (أو مرتجلاته)
لو كُنت مكانه لكتبت العام قبل الخاص، والقاعدة قبل التطبيق، والقرار قبل تفصيله، فيصير:

من أوّل يناير
هاكون إنسان جديد:
هابطّل سجاير
وكمان هاشيل حديد
علي العموم لستُ مكان هذا الكاتب، وليس هو مكاني. ولكنّني كعادتي، أحبّ إفساد عناوين مكاتيبي بشرح مصادرها، ولهذا كتبت ما سبق. إنّ في هذا لمزيج من الثرثرة والرغبة في الخلود (لن أشرح هذه).
ـ

تحسينات
لأدخلنّ إلى الموضوع إذن...
لا أدري ما سرّ توّقفي عن الكتابة في الأيّام الماضية، رغم أنّني كنت أكتب أكثر كثيراً حين كُنتُ مشغولاً مزنوقاً دراسيّاً، وبالرغم من أنّني بالفعل أهمّ بتدوين أربعة مقالات على الأقلّ (إلى جانب تعقيبين لم أتمّهما أحدهما عن أفيون الشعوب). لعلّي أُصِبتُ بالكسل بعد انتهاء مسابقة أفضل بلوج.
ما يدهشني حقّاً هو أنّني أكتب ببساطة وطلاقة في تعليقاتي على الزملاء المدوّنين؛ ليتني أنقل ما أكتبه هناك إلى هنا!
المهم أنّني من أوّل يناير سوف أدخل بعض التحسينات البسيطة على هذه المدوّنة، نازعاً منها بعض المكاتيب التي لم يعُد لها معنى، مصوّباً بعض الأخطاء، محسّناً الفهرسة والروابط، مسهّلاً على القرّاء الجدد والضيوف وعابري السبيل الإلكترونيّ مهمّة تصفّح المقالات القديمة.
وأنا بالمناسبة لا خطّة لديّ بل أزمع استخدام الإمكانّات البسيطة المتاحة في بلوجر
Blogger.

تعقيدات
أكثر ما يعطّلني عن الكتابة عامّةً هو نفسه أكثر ما يعطّلني عن التحسينات الآن: إنّه التكوين المعقد لشبكات التفكير والاتّصال في مخي!! أعتقد أنّ لديّ عدّة أسلاك ملمّسة أو متشابكة في فصوص مخّي تجعل التفكير البسيط عسيراً لديّ وتجعلني أنفُر من التفكير/التدوين المتتالي* (مع أنّ التتالي هو سنّة المدوّنات)، ويمكنك التحقُّق من هذا بنفسك حين ترى عدد المدوّنات التي أنشُرها (وما خفي كان أكثر: فهناك مدوّنتان على الأقلّ في الطريق إلى النور وغيرهما في طور النضج): لم أرَ مدوِّناً آخر لديه هذا العدد خاصّة أن أكثرها تحتوي القليل من المكاتيب. الخلاصة هي أنّني أعشق (إلى درجة الإدمان) التنسيق والتصنيف والتسلسل المنطقيّ المتشابك (الهْيِراركي**). يعني من الآخر أحبّ فتح عنوان جديد لكلّ مدوّنة ، وأحبّ تجميع الموضوعات المتشابهة تحب عناوين متماثلة، وأكره قطع التسلسل بموضوعات شخصيّة أو أخبار (مثل هذا الموضوع الذي أكتبه الآن مثلاً)؛ لكن عليّ تذكير نفسي بأنّ هذا بلوجّ وليس موقعاً معقّداً متعدد المستويات والمجلدات والمجلدات المنبثقة من المجلدات، وبأنّني مجرّد مستخدم غلبان لا قبل لي بفنّ التصميم المعقّد للمواقع.

هل لدى السادة الزملاء ذوي الخبرة المعلوماتيّة أيّة اقتراحات لتحسين التحسينات وتخطي التعقيدات ؟ الرجا التعليق أو المراسلة.
ـ

* serial
** hierarchical

الأربعاء، ديسمبر ١٥، ٢٠٠٤

تسلّل! أوفسايد

عندما يتسلل لاعب كرة القدم خلف صفوف المدافعين بلا كرة، لا يُمكِن أن يُمرِّر زملاؤه الكرة له وإلا احتسب عليه خطأ (أوفسايد).
هل لاحظتم جميعاً أنّه أثناء انشغال الصحفيّين والمدوّنين المصريّين بقضيّة السيّدة وفاء وغضبة الأقباط والغضبة المضادّة، ثم بالمظاهرة الأولى من نوعها ضدّ فترة خامسة لحاكم مصريّ، والتّي عدّها البعض مسرحيّة، تم تمرير قرار في الصحافة تحت أنوف اليسار واليمين.
"اتّفاقّية تجاريّة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل لإنقاذ القطن المصريّ"
اللهمّ لا اعتراض بالطبع، فأنا لا أفهم في القطن ولا أعرف غير أنّ شركة كابو/جيل المصريّة لها أيادٍ لا تُنكر، فقد كستنا وكست العالم.
ما رأي من يفهمو ن في القطن وسوقه وتجارته، وفي التطبيع ومعاملاته ومعادلاته؟
خبر آخر * مالوش لازمة...
ـ
ا* "وافقت لجنة الشئون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشوري أمس علي مشروع قانون باستمرار تفويض رئيس الجمهورية في اصدار قرارات لها قوة القانون في مجال الانتاج الحربي.
وأشارت اللجنة إلي اهمية استمرار العمل بهذا القانون. وأكدت انه جاء لمواجهة حالة الضرورة في ظل التطورات في المنطقة وما يستتبعه ذلك من اهمية السرعة والمرونة والسرية في اتخاذ القرارات الخاصة بتصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية."ـ
الوفد ١٥ ديسمبرـ

الأحد، ديسمبر ١٢، ٢٠٠٤

راء ميم: بلوجٌّ جديد

صارت كلمة بلوجّ الآن أقلّ الكلمات تفضيلاً للمبلوجين باللغة العربيّة. فبينما فكّرنا-منذ زمن-في استخدام كلماتٍ كـ "سِجِل إلكترونيّ" أو "يوميّات" أو "مكاتيب"، جاء التعبير الأحدث والأقوى حتّى الآن "مدَوَّنة". لا أعرِف بالطبع من استخدم المصطلح لأوّل مرّة على الشبكة العنكبوتيّة مجهولة البداية والنهاية، لكنّني شخصيّاً قرأتُه لأوّل مرّة عند عُمر العربي ثم وجدتُه يغمُر الشبكة بَيْنَ عشيّةٍ وضحاها.

يا لثرثرتي! قضيتُ كلّ هذا لأقول لكم أنّ مُدوَّنةً جديدة قد خرجت إلى النور، وهي مدوّنةٌ ليست ككلّ المدوّنات: اسمُها راء وميم أو ميم وراء. الحرفان الأوّلان من اسمَيْ محرِّرَيْها المُؤَسِّسَّيْن.
ميمٌ وراءٌ، راءٌ وميم؟ حرفان لا يلتقيان إلاّ في "المرّ" والـ"رميم"،الـ"رمّ" والترميم.
راء وميم سيلتقيان في سين وجيم؛ يتساءلان ويجيبان عن المُكَوِّنَيْن الدينيَّيْن للأمّة المصريّة.
أعِدكُم بمدوّنة ناريّة، لن تجدوا فيها ما يريحُكم من ابتسامات متبادلة محشوّة بمجاملات لزجة مبلّلة، بل حقائق صادِقة ناضِجة مُحَرِّرة، لا متكوِّرة ولا متهوِّرة.
ميم وراءٌ؛ راءٌ وميم: مدوّنة هي الأولى مِن نَوْعِها، على حدّ تعبير أحد أوّل قُرّائها.
فإلى هُناك.
ـ

ماذا حدث في "أبو المطامير"؟ ١-قراءة هادئة لأخبار صاخِبة

سؤِلتُ-وسأَلتُ نَفسي-عن سرّ صمتي إزاء الأحداث الأخيرة في مصر، رغم أنّها تقع في صميم ما أكتُب عنه. ألم أبدأ هذه المُدوَّنة مُعَلِّقاً على مُظاهَرة لبعض أقباط مصر الغاضبين إثر عرض فيلم "باحِبّ السيما"؟ الأخبار الأخيرة كانت فُرصة إذن لمُبَلوِج مثلي كي يصطاد في المياه العكِرة وأوَكِّد إحدى الأفكار المفضّلة لدي: عن الغضب والإثارة وتحريك الجموع البشريّة.
لكنّني -كغيري- لم أكُن أفهم شيئاً.
وبينما تبادلتُ بضعة تعليقات مع مُبَلوِجين مصريّين نشروا عن مظاهرات الأقباط (مثل محمّد، والفرعون الكبير، وحلمي) إلاّ أنّني لم أجِد ما أكتُبه، في ظلّ تعتيم إعلاميّ و تخبّط في الروايات المُتَواتِرة.
كنت أنتظر أن أعرف أيّ شيء يمكن أن أكتبه واثقاً في عدم كونه مغرضاً أو ملفّقاً، وكُنتُ أحاول أن أفهم. فليس المشكل في هذه الحالة هو الفهم العميق وسبر الغور فحسب، بل السؤال -للأسف- أبسط من هذا بكثير: ماذا حدث أصلاًً؟ ماذا حدث في "أبو المطامير"؟ ماذا حدث المنيا في أسيوط؟ وكيف انتقل كلّ ذلك إلى العبّاسيّة؟

اليوم وبعد أكثر من أسبوع على جنازة المرحوم سعيد سُنبُل، الصحفيّ المصريّ المسيحيّ المرموق، الذي حضر الصلاة على جثمانه لفيف من رجال الدين و الدولة، وأفسد تلقّي العزاء لفيف من الشباب والكهول الغاضبين، الصارخين الساخطين، حتّى أنّ الأمنََ اضطُرّ لمحاوطة بعض الأجانب والمرموقين من المُعَزّين لتأمين خروجهم، والأسرة اضطُرّت لعدم تلقّي العزاء والخروج من الباب الجانبيّ للكنيسة تلافياً لأيّة مخاطرة بتابوت المرحوم.
فالجموع الغاضِبة لا تفرّق بين حيٍّ وميّت، وكما تعلمون، ففي كلّ مظاهرة هُناك قلّة منحرفة -سامحها الله- تتسبّب بجميع الأخطاء الممكنة وغير الممكنة.
لأنّني متأخّر جدّاً في الكتابة عن خبر قديم، فيكفي أن أضع بضعة روابط، ولتتساءل معي: هل تجيب الأخبار المربوطة على السؤال الأساسيّ: ماذا حدث في "أبو المطامير"؟ ماذا تكون أبو المطامير أصلا'ً؟
الأخبار المُتاحة عن المُظاهرات من الجزيرة، والعربيّة، ومواقع الجمعيّات القبطيّة في المهجر (أقباط.نِت، أقباط متحدّون) ومن جريدة العربيّ الناصريّة.
ولأنّ الروابط للصُحُف العربيّة كثيراً ما تُفقَد، فأنا مُضطرّ لوضعها في موقع محليّ من باب الاحتياط.
التخبُّط الغريب انتهى بخبرٍ يُبكي من فَرط ما يُضحِك، ويُعبّر عن إفلاس جريدة الأهرام التي كانت حتّى زَمَنٍ قريب أكثر الجرائد الحكوميّة الموثوق بها: يقول الخبر التُحفة إنّ البابا شنودة يشكر الرئيس في مؤتمر صحفيّ عقده أربعة أساقفة من الأقباط الأرثوذكس! هكذا؟ البابا-الذي يعتكف في الدير حالياً، والذي لم يحضر المؤتمر-يشكر الرئيس؟ هذا هو ما لفت أنظار محرّر الأهرام في ذلك المؤتمر الصحفيّ الذي استغرق قُرابة ثلاث ساعاتٍ؟ لم يحدُث هذا الشُكر بالنصّ ولم يحضر البابا، ممّا يجعل العنوان الأهراميّ مضلِّلاً، ولم تكُن الأخبار الواردة تحت العُنوان أقلّ تضليلاً.
الغريب هذه المرّة أنّني حينما استمعتُ لذلك المؤتمر المذكور (وهو مُتاح في موقعين على الأقلّ*) وجدتُ جُرأةً وصراحةًِ ووُضوحاً لم أتوّقعهم من الأساقفة الأربعة: فلم يُحاوِلوا تَمويع الأمور ولا تعويمها، ولم يتبنّوا دور الضحيّة أو يتستّروا على الأحداث.
كلّ هذا أغناني عن مُحاولة التخمين، لكنّني سأحكي لكُم في ما بعد أيضاً عن محاولاتي المستميتة لفكّ شفرة الصحافة.

* أربعة شرائط مُسَجّلة للمؤتمر الصحفيّ، هي بالنسبة لي أدقّ المصادر لمعرفة الأحداث وأكثرها تفصيلاً. الشرائط مُتاحة في ملفّات مضغوطة من نوع "اللعيب الحقيقي/ ريال بلاير" .
ـ

eXTReMe Tracker